أهداف غير معلنة.. زيارة إريترية تضع مسقط في قلب أزمات القرن الإفريقي

تقرير: سمر صفي الدين
بعد الزيارة الرسمية التي قام بها وفد إريتري رفيع المستوى إلى سلطنة عمان في منتصف أكتوبر الجاري، تتكثف التساؤلات حول ما إذا كانت التحركات تحمل أبعادًا اقتصادية بحتة كما ورد في البيانات الرسمية. أم أن وراءها أجندة سياسية أعمق ترتبط بتوازنات القرن الإفريقي الملتهبة، خصوصًا العلاقة المعقدة بين أسمرة وأديس أبابا.
أجندة معلنة بواجهة اقتصادية
الوفد الإريتري الذي ترأسه نصر الدين محمد صالح، وزير التجارة والصناعة، وضم حقوس جابري هويك، رئيس الشؤون الاقتصادية في الحزب الحاكم “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة” والمستشار المقرب من الرئيس أسياس أفورقي. التقى خلال الزيارة بوزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العماني قيس بن محمد اليوسف، ووزير الخارجية بدر بن حمد البوسعيدي.
وبحسب البيانات الرسمية، ناقش الطرفان سبل تعزيز التعاون في مجالات التعدين، والصناعات التحويلية، والسياحة، والأمن الغذائي، والخدمات اللوجستية. إضافة إلى الاستفادة من التجربة العمانية في جذب الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال.
لكن الباحث في الشأن الإفريقي عبد القادر محمد علي يرى أن هذه الرواية الاقتصادية لا تكفي لتفسير زيارة بهذا المستوى السياسي. ويقول: “الوفد لم يستقبل فقط من قبل نظرائه في وزارة التجارة. بل أيضًا من وزير الخارجية العماني، وهو ما يرفع منسوب اللقاء إلى مستوى سياسي وربما أمني، مما يشير إلى أن الزيارة تتجاوز الأطر الاقتصادية التقليدية.”
تناقضات الواقع الاقتصادي الإريتري
في هذا الصدد، يضيف عبد القادر أن إريتريا لا تملك مقومات جذب استثماري حقيقي يجعل من البعد الاقتصادي مبررًا واقعيًا لمثل هذه الزيارة.
“النظام الاقتصادي في إريتريا موجه ومغلق بالكامل. حيث تسيطر الدولة والحزب الحاكم على جميع مفاصل النشاط التجاري، وهو ما يجعل البيئة الاستثمارية طاردة لرؤوس الأموال الأجنبية”، بحسب الباحث.
ويشير إلى أن عدة شركات أجنبية حاولت دخول السوق الإريتري خلال العقد الماضي وفشلت بسبب غياب الضمانات القانونية والشفافية الاقتصادية، فضلًا عن القيود الإدارية والسياسية الصارمة التي تفرضها أسمرة على المستثمرين.
كما يؤكد أن غياب الاستقرار الإقليمي يجعل من أي مشروع اقتصادي واسع النطاق أمرًا محفوفًا بالمخاطر. خاصة في ظل التوتر المتصاعد بين إريتريا وإثيوبيا على خلفية مطالب أديس أبابا بالحصول على منفذ بحري. وهي قضية وجودية تهدد بعودة الصراع المسلح بين الجانبين.
مسقط.. الوسيط الموثوق
انطلاقًا من هذه المعطيات، يرى عبد القادر أن الاحتمال الأقرب للواقع هو أن الزيارة تحمل في طياتها بعدًا سياسيًا غير معلن، وربما تتعلق بوساطة عمانية بين إريتريا وإثيوبيا.
وتابع أن “عُمان تمتلك سجلًا حافلًا في الوساطات الإقليمية. من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة حول الملف النووي، إلى تسهيل التفاهمات بين الحوثيين والسعودية. وهي الدولة الأكثر حيادًا في الشرق الأوسط، وتتمتع بعلاقات متوازنة مع كل الأطراف في القرن الإفريقي.”
ويضيف الباحث أن الطابع الاقتصادي للزيارة قد يكون غطاءً دبلوماسيًا يسمح بإجراء اتصالات خلف الكواليس بعيدًا عن الأضواء والضغوط الإعلامية. وهي طريقة مألوفة في أسلوب العمل العماني القائم على “الوساطة الهادئة”.
ما وراء الزيارة
من هذا المنظور، فإن زيارة الوفد الإريتري إلى مسقط قد تمثل بداية مسار دبلوماسي غير معلن لإعادة هندسة العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا. في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية بعد الحرب في تيغراي، وتبحث القوى الإقليمية عن ممرات آمنة للتعاون الاقتصادي.
ويؤكد عبد القادر محمد علي أنه “لا يمكن القول إن الجانب الاقتصادي غائب كليًا عن الزيارة، لكنه ليس جوهرها. فعندما يلتقي وزير تجارة بوزير خارجية في دولة معروفة بالوساطة. يجب أن نتساءل إن كانت القصة أوسع بكثير من مجرد تبادل تجاري”،
ويختم الباحث الإريتري تحليله بالقول: “في تقديري، نحن أمام زيارة ذات وجهين: ظاهرها اقتصادي لتطمين الشارع الإريتري والمجتمع الدولي. وباطنها سياسي يسعى لاستكشاف إمكانات تسوية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا برعاية عمانية، قد تعيد رسم خريطة القرن الإفريقي من جديد.”




