الرئيسيةعرب-وعالم

أيام الكمد والعذاب 2… أسطورة نفق الحرية تهدم أسطورة الاحتلال الأمنية

أنات من سجون الاحتلال (6)

حوار: مروة محي الدين

في السادس من سبتمبر عام 2021، استيقظ الاحتلال على كارثة، أسقطت أسطورته الأمنية، حين استطاع ستة أسرى الفرار من سجن جلبوع- شديد الحراسة، عبر نفق حفروه بأدوات بدائية، ينتهي خارج أسوار السجن، فيما عرف إعلاميًا بعملية نفق الحرية، ليستنفر جنوده وأجهزته في البحث عن الهاربين، الذين كان من بينهم “أيهم كممجي”، ولم يتمكنوا من القبض عليه إلا بعد أسبوعين من المطاردة.

في هذه الحلقة من حواره الخاص لموقع اليوم، يحكي الأسير المحرر تحديات تلك التجربة وملابساتها، مثلما يحكي أوجاعًا أخرى، اصطنعها الاحتلال ليزيده ألمًا، حتى بعد الخروج.

أسطورة النفق

كممجي إبان انضمامه لسرايا القدس

يروي “كممجي” قصة حفر نفق الهروب من سجن جلبوع، مبينًا حقيقة الأسطورة التي تم تداولها إعلاميًا عن هذا الموضوع، بأن الحفر قد تم باستخدام ملاعق الطعام، فيقول: كل قصة كبيرة أو حدث كبير يسطع في عقول الناس، فيخلدونه في عقولهم، وتكون معظم ملابسات الحدث فيها محض أسطورة من نسج الخيال، نعم كان للمعلقة دورًا في حفر النفق، لكنه دور رمزي، حيث كنا نستعين بها في الشق طريق البداية، حيث كنا ندخلها بين قطع البلاط، لنرفعها ونفتح مدخل النفق وثم نعيده بعد الانتهاء، نظرًا لأنها رقيقة فيمكنها الدخول بين الشقوق.

أما في الحفر فهذه مبالغة، فلا يمكن للملعقة أن تحفر، لأنها في النهاية ليست مجرفة، بل أداة صغيرة، لو أردنا أن نحفر بها كل هذه المسافة، لاستغرق الأمر 9 سنوات وليس 9 شهور؛ وقد جعلها استخدامنا لها أسطورة، أحبها الناس، وقد كان أحد أهدافنا من العملية، أن نظهر مستوى تفاهة هذا العدو، وأنه ساقط أمنيا وفاشل إداريا.

بالتأكيد كان للمعلقة دورًا، لكن سواعد الأبطال وإرادتهم وعزيمتهم- لاسيما جنود الظل- هي التي حفرت النفق، الذي حفر بأيدينا وأظافرنا، وفي هذا الصدد، أرضنا- أرض فلسطين- لا تعطي سرها إلا لأبنائها، لذا تذللت لنا وأصبحت لينة بين أيدينا.

والله حدثت أمور قد لا يصدقها الناس، هناك مقولة جميلة للإمام “علي”- رضي الله عنه، يقول فيها: “حدثوا الناس بما يطيقون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله”، ومهنا أنك إذا حدثت الناس بكل أمورك بتفاصيلها، قد يكذبونك ويتهمونك بالمبالغة، لكن في الحقيقة حدثت معنافي هذه العملية عدة أمور، قد لا نفهمها ولا يمكن لأي منطق أن يحللها بمفهومنا البشري، فقد كانت تيسيرات رب العالمين، قد تندرج تحت قوله تعالى: “ولتصنع على عيني فقط”، وقوله جل في علاه: “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى”.

وعلى سبيل المثال: أحد هذه الأمور، التي قد لا تصدق، أنهم دخلوا علينا فيأخذ مرات التفتيش، وكان اثنين منا في قلب النفق، استطاع أحدهم أن يخرج وأغلق الباب على أخوه، فكان الموجودون بالزنزانة خمسة فقط، وبدأ الشباص أو السهرية أو السجانين في التفتيش، ولم يدركوا غياب أحد الشباب عن الزنزانة، وأن عدد زملائها منقوص، علما بأنهم أخرجوا الكل إلى خارج الغرفة، وحينما سألوا عن عدد الموجودين في الزنزانة، رد عليهم أحد الأسرى، وقال لهم: خمسة، ليرد المسؤول عن العدد، فيقول: صحيح خمسة.

وبالفعل دخلوا الغرفة والشاب تحت الأرض في قلب النفق، ومرت الأمور بسلام فصدقوا أن النزلاء خمسة فقط، هذا في المنطق البشري يمكن أن نسميه معجزة، أنا نفسي لا أستطيع تفسير ذلك الأمر، سوى أن لله رجالًا إذا أرادوا أراد، وإنما أمره ما بين الكاف والنون، إن أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، وهذه القصة من القصص لم نكن نتحدث بها، مخافة أن يقول من يسمعها أننا نبالغ أو نكذب، فأردنا أن نبقي صورة النفق في عقول الناس كما أحبوها، فنعطي لهم الكلام الذي عرفوه أو سمعوه، ويكفي لجعل هذا الشيء أسطورة.

عودة ونفق ثانٍ

يواصل “كممجي” الحديث عن توقعاتهم من النفق، وتقديرهم لاحتمالات إعادة اعتقالهم، وأثر العودة للأسر في نفوسهم، فيقول: نؤمن أن كل شيء خلق بقدر، وإيماننا بذلك لا حدود له، ومن هنا دائمًا ما يقدر الأسير الفلسطيني الأسوأ قبل الأفضل، فإذا حدث السيء لا يحبط ولا يدخل في حالة اكتئاب أو تراجع نفسي، وإذا حدث الأفضل كان خيرًا على خير.

ومنذ أن بدأنا في عملية النفق، وضعنا نصب أعيننا أمرين: إما النصر أو لا قدر الله الفشل، ومن هنا كان الفشل موجود في حساباتنا، لاسيما وكانت لنا محاولة سابقة لم يكتب لها النجاح عام 2013-2014، فيما عرف بنفق شطة- نفق بسجن شطة الإسرائيلي، الذي اشتركت فيه مع أخي “محمود العارضة وأخي يعقوب قادري”، وقد استغرق حفره منا عام ونصف تقريبًا، فأرهقنا وأنهكنا واستنزف طاقتنا أكثر من نفق جلبوع، وفيه تمكنا من حفر عشرات الأمتار، ولم يبقى بيننا وبيننا الحرية سوى 25 يوم تقريبًا ونكون خارج السجن، حيث كنا نحفر متر تقريبا كل يوم.

ولكن كشفت القصة كلها، وفشلت العملية بأكملها، بسبب خطأ ليس منا، سواء غرفتنا أو تنظيمنا، وإنما بسبب سجين ينتمي إلى تنظيم آخر، ارتكب فعلًا غير مسؤول بلا مبالاة، فجاء بقميص يشبه لون زي السجان، وكتب عليه بعض كلمات بالغة العبرية، ليضاهي ملابس السجان، وحين ضبطوه لديه، وسألوه عن سبب احتفاظه به، اعترف بنيته الهرب، وهنا استدعوا القوة المسؤولة عن التفتيش، المعروفة باسم “يهالوم” أو الماسة، وأجروا تفتيشًا داخل الزنزانة ليكتشفوا النفق ويعملون على ردمه.

ومن هنا فنحن ندرك أن حدوث خطأ واحد، وإن لم يكن منا، يعني انكشاف النفق، وفي هذا لم نكن نخاف على أنفسنا، إنما كان خوفنا أن يتم تدمير الحركة الأسيرة، بسبب نفق آخر، ويكون في ذلك ضرر على إخوتنا في الأسر، أما مسألة الحياة والموت في الأسر، فذلك طريقنا الذي سرنا إليه من قبل النفق، وواجهنا مصيرنا بشجاعة، وقلنا لأنفسنا إذا قتلنا ففي سبيل الله، والأمر ذاته إذا اعتقلنا، وإن انتصرنا فهو أيضًا لله، ولم يكن الخوف أمرًا نتحسب له، إلا من خشية أن يضر أحد الأسرى بسبب النفق.

رحلة الأسر لا تحمل فقط الألم والمقاومة والتحدي، ففي نهايتها كانت تنتظرهم فرحة مشوبة بالحزن، وهي حكاية عبير الحرية ومرارة الإبعاد، التي يحكيها “كممجي”، في الحلقة القادمة.

ماجد المصري لليوم 2: أهل مصر استقبلونا كأنهم أهلنا بالضفة الغربية

خاص لليوم: كلاب تنهش أجسادًا حية… شهادة مروعة عن أسرى غزة

الحركة الأسيرة… مقاومة تنشد البعث من الرماد عقب إعدامها

ماجد المصري لـ«اليوم» 1: حولنا السجون إلى مدارس ثورية لاستكمال النضال

ماجد المصري لليوم 2: أهل مصر استقبلونا كأنهم أهلنا بالضفة الغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى