الحركة الأسيرة… مقاومة تنشد البعث من الرماد عقب إعدامها

الحركة الأسيرة… كلمة يرتبط ذكرها بحوالي 10-12 ألف أسير فلسطيني، يقبع في سجون الاحتلال في زنازين خانقة، يلقى فيها أشد أنواع التنكيل، حتى إن خرج يكون بقايا إنسان أو جثة هامدة؛ نشأت عقب نكسة عام 1967، حيث اعتقلت قوات الاحتلال آلاف الفلسطينيين، مع احتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة.

النشأة والنشاط 

بدأت بحركة مطالِبة بتحسين ظروف الاعتقال، وإطلاق المعتقلين السياسيين، ومع التعذيب الشديد الذي مارسه الاحتلال ضد الأسرى، والتنكيل بهم، تطور نشاط الحركة الأسيرة، وبلغت التكوين المؤسسي الرسمي، ثم تبنت الملف الدولي لحقوق الأسرى.

نشاط الحركة الغاضب، بدأ بتنظيم إضرابات جماعية عن الطعام، وفعاليات تضامنية لتوصيل صوت الأسرى للعالم أجمع، الذي تجاوب بعضه معها، سعيًا لهدفها الأسمى بتحسين أوضاع الأسرى، ثم تطورت لتنظيم فاعليات تعليمية وثقافية داخل السجن، حتى استطاع عدد كبير من الأسرى إنهاء دراسات من التوجيهي إلى الدكتوراة.

إنجازات الحركة 

وضعت الحركة الأسيرة قضية الأسرى في صدارة أولويات الشارع الفلسطيني، ونجحت في تحقيق تفاهمات مع المحتل، أدت إلى الإفراج عن دفعات من المعتقلين، كذلك تمكنت الحركة من رفع ملف الاعتقال الإداري والاعتقال المنزلي أمام المنتديات الدولية، وخلال العقد الأخير تمكنت من فرض توسيع زيارات الأهل للأسرى على الاحتلال، وإدخال الكتب والأدوات المكتبية، وغيرها من الإنجازات التي رواها الأسرى المحررين، في خضم تصريحاتهم لموقع اليوم.

حيث قال “ماجد إسماعيل محمد المصري”- الأسير المحرر ضمن الدفعة الأخيرة من صفقة طوفان الأحرار- عن إنجازات الحركة الأسيرة وما حققه نشاطها: “آخر إضراب عن الطعام خضناه عام 2017، استمر لمدة 42 يومًا، وكان أبرز قيادات هذا الإضراب الأخ مروان البرغوثي، وقد انتصرنا فيه على أنفسنا قبل أن ننتصر على جلادينا، 42 يومًا تحدينا فيهم كل الدنيا ج، وانتصرنا على إدارة السجون، وحققنا إنجازات من ضمنها زيارات الأهالي، ومحاولة إدخال الحفيد، لأن الزيارات كانت تقتصر على الزوجة أو الأم والأب فقط”.

وأضاف: “كذلك صنعنا إنجازا في إدخال الكتب، فسمح بإدخال خمسة كتب بدلًا من كتابين، وكذلك السماح بإدخال الأواني، وفرضنا على السجانين احترامنا، وعدم المساس بمقتنيات الأسير الفلسطيني وإنجازاته؛ وفي السياق ذاته، حاولنا إكمال تعليمنا في الجامعات الإسرائيلية رفضونا لأننا أغراب، فاستطعنا نيل هذا الحق في الجامعات الفلسطينية، عن طريق المحامين ندرس، وكان الأخ البرغوثي قائم على هذا النشاط”.

وتابع متحدثًا عن إنجازه الشخصي: “ولله الحمد تمكنت من الحصول على البكالوريوس، ثم الماجستير في الشئون الإسرائيلية، والآن أبدأ في الدكتوراه في جامعة النجاح الفلسطينية في نابلس في نوفمبر، عبر التعليم عن بعد، في تخصص التاريخ الإسرائيلي الصهيوني، وقد اخترت هذا التخصص لأن حياتنا كلها سياسية، وبسبب قربنا من المجتمع الإسرائيلي والعقلية الإسرائيلية، نحتاج لتوصيل رسالتنا عن الحركة الصهيونية، وليس لدينا عداء مع اليهود أو مع الدين اليهودية، إنما مشكلتنا معها ومع الاحتلال الإسرائيلي، الذي احتل أرضي وسلب حقي”.

7 أكتوبر

بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، دخلت الحركة الأسيرة مرحلة مفصلية، لم تقتصر على الملف الإنساني، حيث جنح الاحتلال لاستخدام ملف الأسرى، باعتباره عامل ضغط سياسي وميداني في الصراع مع الاحتلال، فحدثت قفزات كبيرة في أعداد الأسرى، وزاد الاحتلال وتيرة العنف ضدهم، وفرض تضييقات على الزيارات والمحاكمات، وسحب من الأسرى كل متعلقاتهم الشخصية، التي حصلوا عليه بإنجاز الحركة.

وقد روى “المصري” كيف هدم الاحتلال إنجازات الحركة الأسيرة، في العامين الأخيرين؟ فقال: “للأسف بعد 7 أكتوبر، اختلفت السجون، فلم يعد فيها ما حققناه عبر الإضرابات من قبل، من وجود الكتب والأساسيات اللازمة للمعيشة والصمود؛ أما الآن، صادر الاحتلال هذه الأشياء من كل زنزانة- هيتو، وأضحى تعامل الشرطة مع الأسرى دون حدود، ويمنع الجديث وتمنع دفاتر الكتابة، ولا يسمح إلا بوجود نسخة من القرآن مع كل أسير، ويدخلون كميات قليلة من الطعام، لا تكفي إلا لإبقاء الأسير على قيد الحياة، كما يمنعوا التحمم إلا كل 3 أيام”.

وبزيادة القمع داخل السجون، ارتفع عدد شهداء الأسرى بشكل غير مسبوق عبر التاريخ، حيث تحدث تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، عن استشهاد 75 أسيراً منذ 7 أكتوبر 2023، فيما تحدثت منظمات فلسطينية عن استشهاد 71 أسيراً خلال الفترة ذاتها.

وبمقارنة تلك الأرقام بأعداد شهداء الأسرى، منذ نشأة الحركة عام 1967 حتى الآن، التي بلغت 291 أسيراً شهيدًا، وخلال الفترة من يونيو 2021-أكتوبر 2023، قتل الاحتلال 11 أسيراً في السجون، وبهذا تكون أعداد الشهداء في السنتين الأخيرتين تشكل 25% من جملة الشهداء، حيث زاد الاحتلال وتيرة القتل عدة أضعاف، بما يشير لتعمده تصفية الأسرى بعد طوفان الأقصى.

ومن هنا، كان على الحركة الأسيرة أن تنحني للعاصفة، لتخرج بأقل الخسائر، فقال “أيهم فؤاد كممجي”- الأسير المحرر في الدفعة الأخيرة من صفقة طوفان الأحرار- عن ذلك: “بعد 7 أكتوبر، كنا في وضع حرب، وهناك إعلان لحالة الطوارئ، ومن ثم لا يمكننا تنفيذ أي حراك ضد السجان، فقد هبت الرياح بشكل عاصف، ومن هنا كان علي أن أحني رأسي، كي لا ينال منى نصيبًا؛ فكان الأسير يبتعد عن عمل أي شيء، حتى لا أعطيهم مبرر أن يعيدوني لأهلي جثة أو مصابة بعاهة مثل: فقد أحد عيني أو تكسير عظامي”.

وتابع: “وعليه لم نكن نهاجم، ولا ننفذ أي عمليات مما كنا ننفذها قبل طوفان الأقصى، من حرق للسجانين وطعنهم أو ضربهم ضربًا مبرحًا؛ أو حتى أنواع الاحتجاج الأخرى، من: الإضراب عن الطعام أو الإضراب عن الماء أو إغلاق الأقسام أو حل التنظيم، لإحداث فوضى وبلبلة داخل الأقسام والسجون؛ فكان هذا من شأنه أن يرعب السجان”.

مستقبل الحركة الأسيرة

يرى “المصري” أن الحركة ستواجه تحديات كبرى للعودة إلى ما حققت، فقال: “أمام الحركة معارك طويلة المدى، لتعود لما كانت عليه، فهي بحاجة لوقت كي تستعيد قوتها، ولتتمكن من فعل ذلك سيكون الثمن من دماء الحركة الأسيرة، لاسيما في ظل غياب دور منظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر، والعالم مغمض العينين عما يفعله بنا الاحتلال، بينما قطع الاحتلال عنا جميع الاتصالات مع العالم الخارجي، ومن يمت ما من أحد يعرف إن كان ميتًا أم حي يرزق، تلك هي السجون، التي تحكمها عنجهية الاحتلال، وقد ظهرت جليا في مجازره ضد الشعب الفلسطيني في غزة”.

وأضاف: “للأسف الاحتلال أعدم الحركة الأسيرة، ومع عدم وجود عقوبة للاحتلال على جرائمه بحق الأسرى، فكرنا في الحركة في إنه هناك عشرات الآلاف استشهدوا في غزة، فكيف يكون الحال في السجون؟ وهم في ظل حقدهم الواضح علينا، يبحثون عن مبرر لقتلنا، ومن هنا كان قرارنا في الحركة الأسيرة بمنع أي أسير من ارتكاب أي فعل، يعطيهم المبرر لقتلنا”.

أما “كممجي” فقد رأي في تحدي الحركة الأسيرة للمحتل، ما يؤهلها لتعود للحياة مرة أخرى، فقال: “ستعود الحركة الأسيرة، أفضل من ذي قبل وأقوى، فهي لم تحقق يومًا إنجازًا واحدًا، ولو كان حبة أرز أو عدس، منة أو من السجان- الشباص أو إدارة مصلحة السجن، وكل ما أخذ منه كان عنوة، بالقوة ورغم أنفه، فكان كل إضراب من الأسرى، هو ما يجبره على الخضوع، وتقديم التنازلات للأسرى بما يريدون، والأسرى حالياً خرجوا من مرحلة الصدمة، ومن مرحلة الانحناء والإنكفا، التي كانت بعد 7 أكتوبر”.

واختتم حديثه مؤكدا على فكرته: “لم يكن الأسرى بعد 7 أكتوبر يدخلون في مواجهات، لأن جميعهم كانوا يأملون في فك أسرهم قريبًا، أما الآن مع عدم وجود أمل في إخراجهم، أضحت القضية إما أن نموت أعزاء، أو نبقى جبناء أذلاء وهذا شيء صعب أن يقبله الفلسطيني؛

معركة “أكون أو لا أكون- To be or not to be”، حيث يريد الأسرى شيء واحد الحياة الكريمة، هل ستعطيني هذه الحياة وتعيدها كما كانت؟ أم تريد أن الدخول في موجهات أنت الخاسر فيها في النهاية؟ آما أنا فليس لدي ما أخسره، إن قتلتني فأنا شهيد، أما أنت فتخاف على حياتك وعمرك ومستقبلك، ومن هنا سترضخ إدارة السجن، إن لم يكن اليوم فالعام القادم؛ ونحن مع الأسرى وسنبذل جهدنا لتسليط الضوء على قضيتهم”.

مثل طائر الفينيق، تنتظر الحركة بعثًا من الرماد، يعيد لها قوتها ويجدد الدماء في عروقها، بعد أن تجبر الاحتلال في إعدامها، فهي فصلًا من رواية المقاومة، قد يكون أشد وطأة على المحتل من باقي الفصول، لكن يبقى السؤال من واقع حديث أصحاب التجربة: هل تتجدد دماؤها بدم مهرق داخل الزنازين؟

 

اترك رد