الرئيسيةعرب-وعالم

أيام الكمد والعذاب1… قصة صمود أيهم كممجي وصولا للحرية

أنات من سجون الاحتلال (5)

حوار: مروة محي الدين

“أيهم فؤاد كممجي”… اسم يرتبط ذكره بقرابة 20 عامًا في سجون عدة للاحتلال، وحكمين بالسجن المؤيد، ومحاولتين للهروب، وتاريخ من النضال بين صفوف الجهاد الإسلامي، وقيادات الحركة الأسيرة، ما عرضه لعقوبات متكررة داخل السجون، لينتهي ذلك بإبعاده إلى القاهرة، عقب الإفراج عنه ضمن آخر دفعات تبادل الأسرى في صفقة الطوفان.

“كممجي” المولود في بلدة كفر دان غرب جنين عام 1986، واجه اتهامات بالانتماء لفرق المقاومة المسلحة، وتنفيذ عمليات مقاومة مسلحة ضد الاحتلال، من بينهما عملية خطف وقتل مستوطن إسرائيلي، قرب بلدة طوباس عام 2005؛ اعتقلته قوات الاحتلال عام 2006 بعد مطاردة استمرت شهور.

وفي لقاء خاص مع موقع اليوم، حكى الأسير المحرر أيام الكمد والعذاب، في سجون الاحتلال، في حلقات ننشرها مسلسلة، نبدأها بالسطور التالية.

تجربة الأسر

أيهم كممجي وضياء مطر لحظة إبعادهم

يقول “كممجي” عن تجربة الأسر: أمضيت في سجون الاحتلال ما يقارب 19 عامًا و3- 4 شهور تقريبا، وقد كانت تجربة شديدة المرارة، لكنها كانت مليئة بالصبر والإرادة والاستفادة والعلم والتعلم والتعليم أيضا، ولم تكن بالسنوات المثمرة، حيث كانت ثمراتها ما بين الألم والأمل، والشوق والوحدة، فجميع ثمراتها كانت من ثمرات الابتلاء في سبيل الله، واستطعنا بفضل الله مضغ مرارتها، حتى من الله علينا بالفرج بعزة، بما أذل عدونا.

من واقع التجربة بقيت الكثير من اللحظات المؤثرة عالقة في ذهني، أبرزها حينما جاءني خبر استشهاد والدتي وأخي، وكذلك استشهاد بعض رفاقي، الذين عشت معهم، وتقاسمنا معا الصبر والسلوان والأذى والاعتداءات والقهر داخل السجون، فقد عاش الكثير من الأسرى عاشوا في السجون أكثر مما عاشوا بين أهاليهم، فأضحت علاقتهم معنا علاقة أخوة حقيقية متينة، فنشعر جأنهم حقا إخوة، وإن لم تلدهم أم واحدة.

منهم من استشهد، ومنهم من بقي خلفنا في الأسر، فكان من اللحظات المرة جدا والصعبة هي لحظة الإفراج عني، فعلى قدر حلاوتها كانت مرارتها وصعوبتها، بسبب تركنا إخوة لنا يعني، وأخص بذلك أخي “يعقوب قادري”، الذي شارك معنا في عملية نفق الحرية، أو نفق الطريق إلى القدس، فقد تركته خلفي بالأسر، وفي نفس الزنزانة التي كنت فيها، ومن هنا كانت لحظات مؤلمة جدا، امتزجت فيها الفرحة وتحقق الأمل والحلم بالغصة الكبيرة في حلقي عليه.

لا ريب أن وجود الكثير من الأسرى في سجون الاحتلال كدر صفو لحظة الإفراج، لاسيما أصحاب المؤبدات، فوفق الإحصائية التي قمنا بها، أثناء وجودنا في الأسر، وعدد المؤبدات لدى كل تنظيم، يقترب عددهم الإجمالي من 150، كما أن هناك أكثر من 25 أو 30 أسير موقوف، لكن أحكامهم بالتأكيد ستكون مؤبدات، فكانت غصتنا هم أولئك الإخوة الذين تركناهم خلفنا.

الدفعة الأخيرة

كممجي ومحمود عيسي بعد الخروج

يواصل “كممجي” الحكاية، حول صدمة معرفته بأنهم آخر دفعة مؤبدات تخرج من السجون، فيقول: علمت في لحظة جلوسي مع ضابط الشاباك- جهاز الأمن الداخلي للاحتلال واسمه اختصارا لكلمات “شيروت بيتحون كالالي”- أنني سأخرج في آخر صفقة تبادل، ودار بيني وبينه حوارًا:

  • قال لي: أيهم الحرب انتهت، وسيتم إبعادك إلى غزة، حيث ستشمل هذه الصفقة كل جنودنا المتبقين الأحياء والأموات.
  • فأجبته: حديثك لا يطابق العقل ولا المنطق.
  • رد علي: بل هي الحقيقة، فقد انتهت الحرب وقل الحمد لله أنها انتهت، فنحن تعبنا كثيرًا، وأنتم تعبتم كثيرًا، وآن الأوان أن تنتهي.
  • فقلت له: حسنًا، ولكن هناك الكثير من الأسرى داخل السجون.
  • قال: هكذا انتهت، وبالغد ستعود، وساعتها ستشرح لك جماعتك ماذا حدث؟ إحمد الله أنك ستخرج

وكان هذا الكلام ما دار بيني وبينه حرفيًا وبالغة العربية، حينها علمت بحدوث أمر جلل، أدى إلى هذه النتيجة.

وحينما خرجنا وجلس معنا الإخوة أوضحوا لنا الصورة، وكيف تعرضت المقاومة لضغوط، وكيف كان الوضع الإنساني شديد المأساوية في غزة أكبر من الجميع، وكان حقا علينا أن نفدي نحن الأسرى بدمائنا وأرواحنا وأعمارنا أخوة لنا، ضحوا وأسقطوا واجبهم في الجهاد.

والحقيقة الثابتة أن أهل غزة أسقطوا واجبهم وأهل لبنان أسقطوا واجبهم، وكل من سند المقاومة من كل العرب والمسلمين أسقطوا الواجب الذي عليهم، وكان الثمن هو أن هذا الأسير الذي نفر لله بجله وكله لنصرة دينه، في النهاية يجب عليه أن يواجه مصيره بشجاعه.

ولله الحمد، وصلتنا رسائل من الإخوة داخل السجون، تؤكد أن عزيمتهم أقوى من عزيمتنا، ويقولون فيها: من تمسك بالجنود فإن الجنود قد ذهبوا، ولكننا تمسكنا برب الجنود، ورب الجنود ما زال أعلى مننا جميعا، وهو الذي يدبر أمرنا ولن ينسانا.

كانت هذه كلماتهم باختصار، ما زالوا يعلموننا الصبر، وما زالوا هم العظماء، وما زالوا هم القادة، وحقا علينا أن ندعوا لهم، وهنا أوجه كلامي لكن من يصله حديثي، فأقل واجب عليك يا أخى أن تدعو لإخوانك الأسرى، لأنهم يعيشون في العذاب المهين، يتجرعونه يوميا من التنكيل والضرب والتعطيش والتجويع، إلى البرد الذي ينال من أجسادهم، والحر الذي يحرق أجسادهم صيفا، فأوضاعهم مأساوية لا تطاق، وقد كنت أسيرًا، ووالله العظيم قد نجيت بمعجزة أنا وكل من نجى، فقد شعرنا بأننا حقا ولدنا من جديد.

بصمة لا تنسى

يروي “كممجي” قصة بصمة لا تنسى، تركها في نفسه إما رفاق المقاومة والأسر، أو أشقاء روحه الذين يقبعون في غياهب السجون، فيقول: لدي شقيقين “مجد وعهد” داخل سجون الاحتلال، الأول موجود في سجن جلبوع، والثاني في سجن نفحة الصحراوي، وقد تفاجأت بأن الأول قد رزق ولد، وهو لا يعلم ولم يره، ولله الحمد على كل حال.

كذلك رفيق كفاحي “قادري”، الذي عشت معه الحلوة والمرة مثلما تقول الأمثال، فتقاسمنا معا الزاد، صمنا سويًا وأفطرنا سويًا، فرحنا سويًا، ولبسنا الجديد سويًا، قضينا الأعياد سويًا، ولعبنا الرياضة سويًا، فهو عشرة السنين، فقد تنقل معي في عدة سجون، فأصبحت العلاقة ليست بأنه ترك أثر في أو لا، حيث أضحت علاقتي به أنه أخي في الله، اعتدت عليه وعرفت طباعه وصفاته أكثر مما أعرف إخوتي الأشقاء، بحكم أني لم أعش في بيتي كثيرًا.

فقد خرجت من بيتي، وانخرطت في عملي المقاوم والجهادي، بينما كنت ابن 16 عامًا، وسجنت وأنا ابن 20 عامًا، وأمضيت في الأسر 19 عام وبضعة شهور، ومن هنا فقد عشت مع “قادري” أكثر مما عشت مع إخوتي، ما ترك في نفسي هذا المزيج من الشوق والحزن والألم والندم، بل والحسرة على كل لحظة أمضيتها معه وضاعت دون أن أستغلها في التعبير عن إخوته في قلبي.

وكما عشنا مع بعض تجربة السجن، اشتركنا في عملية نفق الحرية، وقد اشترك معنا بعض الإخوة، من جنود وحدة الظل، الذين ساهموا في إنجاح النفق، ولولاهم لما كان، وأذكرمنهم “محمد أبو بكر، وعلي أبو بكر، وقصي مرعي، ومحمود الشريم”، وأيضا “مناضل” الذي يعني اعتقلوه معي، وكان برفقتي حينما تفرقنا بعد الهروب من السجن، وما زالوا بالأسر.

ولكن عزائي وصبري أننا سوف نراهم بعد شهور قليلة إن شاء الله، إذ لم يتبقى الكثير في مدة الحبس، لكن “قادري” محكوم عليه بالمؤبد مرتين، بالإضافة إلى خمسة وثلاثين عامًا أخرى، فمن الصعب جدا أن نراه، وفقًا للمنطق البشري الحالي والمعطيات الحالية، ولا أقول إلا حسبي الله ونعم الوكيل، وأسأل الله تعالى أن يمن عليه بالفرج، بمعجزة من عنده، لأن المعطيات البشرية لا يمكن للأسف أن نتأمل بها كثيرًا

للتجربة التي يحكيها الأسير المحرر محطات، قد لا يسع السطور وصفها، لذا بقي لديه الكثير مما يحكيه في الحلقات القادم، وأهم تلك المحطات محطة الهروب من سجن جلبوع، فيما عرف إعلاميا بعملية نفق الحرية، التي يكشف خبايا وتفاصيلها في الحلقة القادمة.

خاص لليوم: كلاب تنهش أجسادًا حية… شهادة مروعة عن أسرى غزة

الحركة الأسيرة… مقاومة تنشد البعث من الرماد عقب إعدامها

ماجد المصري لـ«اليوم» 1: حولنا السجون إلى مدارس ثورية لاستكمال النضال

ماجد المصري لليوم 2: أهل مصر استقبلونا كأنهم أهلنا بالضفة الغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى