الأموال الإيرانية المجمدة بين الوصاية المالية الأمريكية والتنكر لمذكرة التفاهم

تقرير: مروة محي الدين

الأموال الإيرانية المجمدة منذ عام 1979، وتُقَدَرْ بنحو 100-120 مليار دولار، مثلت حجر زاوية في مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران، حيث خصص لها بندا مستقلا من البنود الأربعة عشر من المذكرة، كان البند (11)، كما خصص البند (13) للتأكيد على البدء الفوري في تنفيذ خمسة بنود بعينها بينهما بند الأموال المجمدة فور التوقيع على المذكرة، حتى يتسنى المضي في مفاوضات الاتفاق النهائي، وألزمت واشنطن بتيسير إجراءات الإفراج عنها.

 

مذكرة التفاهم والإفراج المعلق

يركز النظام الإيراني خطابه حول تلك الأموال على أن مذكرة التفاهم نصت على الإفراج الفوري عن جزء منها بمجرد التوقيع عليها، فيما لم يحدث أي تقدم في هذا الشأن، ولم تحصل طهران على دولار واحد من تلك الأموال، ما يعد تنصلا من الاتفاق.

وفي هذا الصدد، يقول البند (11) من المذكرة: “تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بالإتاحة الكاملة لاستخدام أموال الجمهورية الإسلامية الإيرانية المجمد أو المحتجزة وكذلك الأصول، فور توقيع مذكرة التفاهم الحالية؛ وتوافق كلا من الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية معا على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن تلك الأموال أثناء المفاوضات؛ وتكون تلك الأموال المستوردة للحساب الأصلي أو المحولة متاحة بالكامل للاستخدام في دفع أي التزامات مالية يحددها البنك المركزي للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وتلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار جميع التراخيص والتصاريح اللازمة لذلك”.

فيما قال نص البند (13): “مع توقيع تلك المذكرة والالتزام بتنفيذ البنود 1 و4 و5 و10 و11 منها، ومتابعة تنفيذ تلك المعايير، تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية في المفاوضات المتعلقة بالاتفاق النهائي، وفقا لما جاء في باقي البنود حصريا”.

لكن ما حدث على أرض الواقع كان تمثيلا للعبة المثير والاستجابة، التي تلوح فيها الولايات المتحدة بالإفراج عن الأموال، فتنخرط طهران في التفاوض على الخطوات العملية لذلك، فتعود واشنطن إلى رهن الإفراج عنها بقضايا أخرى مثل: الرقابة الأمريكية عليها ومضيق هرمز والتخلي عن بناء الجيش.

وقد قدم الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي- تفسيرًا لتلك المناورات الاقتصادية، فقال في تصريحات خاصة لجريدة اليوم: إن “مسألة الإفراج عن الأموال المجمدة لا تقتصر على الإرادة السياسية وحدها، بل تتضمن المرور بمراحل فنية وقانونية معقدة للغاية، مثل التأكد من أن الأموال ستُستخدم في الأغراض الإنسانية المتفق عليها: كالمشتريات الطبية أو الغذائية، وليس في أنشطة تخضع للعقوبات، وكذلك لضمان عدم تحويلها عبر بنوك قد تخضع لعقوبات أمريكية أخرى.

ومن هنا يحتمل أن تكون المماطلة الفنية آلية ضغط بحد ذاتها، حيث تختبر واشنطن مدى التزام طهران وشركائها بالشروط المطلوبة، بما اصطلح على تسميته سلاح التباطؤ، الهادف إلى تعزيز الموقف التفاوضي الأمريكي في ملفات أخرى، مثل: القضية النووية والصواريخ الباليستية”.

 

طهران بين الاستقلال والابتزاز

كيف وصلت الأموال الإيرانية إلى قطر؟

تقدر الدفعة الحالية من الأموال المجمدة باثني عشر مليار دولار أمريكي، تسعى طهران للحصول عليها على دفعتين خلال مدة 60 يومًا من توقيع مذكرة التفاهم، بينها 6 مليارات محتجزة في بنوك الدوحة، وهي الدفعة العاجلة التي يثور حولها الحديث على الساحة الدولية حاليا، وكانت واشنطن قد نقلتها إلى قطر من كوريا الجنوبية عام 2023، في صفقة بينها وطهران لتبادل سجناء والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، لتتنصل الولايات المتحدة من التزاماتها بعد ذلك مباشرة، وتمتنع عن نقلها لإيران لممارسة الضغط عليها وقتئذ.

وعلى الرغم من النص الصريح لمذكرة التفاهم على أن “البنك المركزي الإيراني” هو من يحدد الالتزامات المالية التي تدفع فيها تلك الأموال، تصر الولايات المتحدة على لعب دور الوصي المالي على إيران، حيث تشترط خضوع تلك الأموال لرقابة الخزانة الأمريكية، ضمانا لاقتصار استخدامها على السلع الإنسانية مثل: الأغذية والأدوية والمنتجات الزراعية، وبفواتير معتمدة مسبقًا.

وعلى الرغم من التلميحات الإيرانية المستمرة لاحتمال تنصل الولايات المتحدة من التزامها في هذا الشأن مثلما فعلت في 2023؛ استبعد “الألفي” هذا السيناريو في تصريحاته، مؤكدا على عدم تعدي الأمر استخدام الملف لتحقيق مكاسب تفاوضية أعلى، فقال: “من المستبعد أن تعيد الولايات المتحدة سيناريو منع الإفراج الكامل عن الأموال المجمدة، إذ سيكون ذلك إشارة سلبية تؤكد عدم موثوقيتها باعتبارها شريك تفاوضي، ما قد يدفع إيران وأطرافاً أخرى، مثل: الصين وروسيا، إلى تطوير آليات مالية بديلة لا تمر عبر النظام المصرفي الأمريكي.

ومن ثم، من المرجح- بدلاً من ذلك- أن تعمد واشنطن إلى تقسيط الأموال، أو ربط الإفراج عن كل شريحة بتقدم ملموس في ملفات أخرى، كتجميد الأنشطة النووية أو التهدئة في المنطقة، ما يضمن بقاء هذه الأموال رافعة ضغط مستدامة وليس تسوية نهائية”.

وبالنظر في تحركات الإدارة الأمريكية والتصريحات الصادرة عنها، نجد أن وزارة الخارجية الأمريكية قد أكدت صدقية طرح خبير الاقتصاد السياسي- في إفادات صحفية سابقة- حين قالت: إن أي حديث عن إفراج غير مشروط عن تلك الأموال يمثل مغالطة للآليات التنفيذية المعتمدة بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية، كما صرح الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في وقت سابق: بأنه سيسمح بالإفراج عن 6 مليارات دولار من أموال إيران، ليشتروا بها سلع ومنتجات زراعية أمريكية؛ وهو ما ترفضه طهران متمسكة بحق الشعب الإيراني غير المشروط في تلك الأموال؛ ما أدى في النهاية لتباطؤ الإفراج عنها.

ومثل عادتها لوحت واشنطن بورقة الإرهاب، لتبرير موقفها من تأخير الإفراج عن تلك الأموال، فراح “جيه دي فانس”- نائب الرئيس الأميركي- يقول: إن بلاده لن تفرج عن الأموال الإيرانية لديها، إلا بضمان عدم استخدامها في تمويل “الإرهاب”- حسب وصفه.

ومع استمرار معادلة المساومة والضغط، يبقى سلاح التباطؤ سيد الكلمة فيها، ويبقى مصير تلك المليارات مرهونا بسلسلة من المفاوضات القادمة، التي ينتصر فيها من يصمد ليحرز أكبر قدر من المكاسب الممكنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *