سلاح التباطؤ ولعبة أوراق الضغط يعيدان التساؤلات عن مصير الأموال الإيرانية 

تقرير: مروة محي الدين

“ترامب”… رجل السياسة القادم من عالم المال والأعمال، الذي يجيد لعبة التفاوض باستخدام أوراق الضغط ليخرج في النهاية بأعلى الأرباح، لم يكن ليترك إدارته فريسة لمناورات المفاوض الإيراني الشرس، بما يحمله ذلك من خسائر بين الناخبين الأمريكيين، لذا كانت الأموال الإيرانية المجمدة ورقة الضغط، التي يستخدمها لتحقيق مكاسبه.

وكان التباطؤ والمماطلة سلاحه الفعال لخدمة مكاسبه على المستويين المحلي والدولي، فمن نفي التسليم غير المشروط للأموال وتحت رقابة الخزانة الأمريكية، الذي وجد من يربطه بملف السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، إلى حديثه عن توجيه إنفاق تلك الأموال لخدمة المزارع الأمريكي وشراء منتجاته، إلى مواجهة الإعلان الإيراني عن الاتفاق على صرف الدفعة الأولى من تلك الأموال بردود عامة لا تسبر أغوار الموقف، تاركا ساحة الرد للوسيط القطري؛ وعليه مازال الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” يبحث عن إحراز مكاسب تقربه من الناخب الأمريكي في المقام الأول، ويفرض بها سيطرته على مجريات الأمور على الساحة العالمية في المقام الأخير.

 

أقوى من الأموال المجمدة

جنحت وسائل إعلام أوروبية كبرى في تفسير التباطؤ الأمريكي في الإفراج عن الأموال المجمدة إلى أن واشنطن تستخدم تلك الأموال ورقة ضغط، لتهدئة الجبهات الإقليمية، مع السيطرة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز- الذي تجيد طهران استخدامه باعتباره ورقة ميدانية لتسريع صرف الأموال- وإصرارها على فرض رسوم عبور أطلقت عليها “بدل الخدمات”، لتأمين السفن وتيسير مرورها عبر الممر المائي.

وعزز ذلك الطرح، ما نقله موقع إكسيوس الأمريكي عمن وصفه بمسؤول أمريكي رفيع، أن رسالة المفاوضين الأمريكيين “جاريد كوشنر وستيف ويتكوف” لإيران: أنها ستحصل على مكاسب من بيع النفط والموارد الأخرى حال رفع العقوبات عنها أضخم كثيرًا مما قد تجنيه من رسوم عبور الممر المائي، بما يضمن حدوث انتعاشة اقتصادية غير مسبوقة في الاقتصاد الإيراني، ومن ثم مستوى معيشة المواطن.

لكن الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي- نفى في تصريحات خاصة لجريدة اليوم استقامة معادلة الضغط بالأموال المجمدة ضد السيطرة على المضيق، حيث رآها تفتقر للاتزان، فقال: “إن الاستفادة من هذا الملف لإزالة السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز تبدو صعبة التحقيق، حيث أن الأموال المجمدة- على ضخامتها- لا تمثل مقاربة إستراتيجية كافية مقابل سيطرة إيران على ممر مائي حيوي، ترتبط السيطرة عليه بمبدأ الردع والوجود العسكري أكثر من ارتباطها بالسيولة المالية.

بيد أنه من المرجح أن تصبح منطقة مضيق هرمز جزءاً من صفقة كبرى، يتم التفاوض عليها على المستوى الإقليمي- بمشاركة دول الخليج والصين وروسيا- بدلاً من أن تكون مجرد نتيجة ثانوية للإفراج عن أموال مجمدة في دولة وسيطة مثل قطر”.

 

صفقة إنقاذ المزارع الأمريكي

مع تنامي الحديث عن الإفراج عن الأموال المجمدة، راح “ترامب” يحول ملف الأموال المجمدة من أداة ضغط سياسي إلى أداة لكسب الناخب المرتبط بالقطاع الزراعي في البلاد، فأشار في تصريحات سابقة للصحفيين إلى أن تلك الأموال لن تستخدم إلا لشراء المواد الغذائية والطبية من الولايات المتحدة حصريا، بما يضمن وصول الأموال للمزارعين الأمريكيين، الذين سيوفرون لهم القمح والصويا والذرة الأمريكية لمواجهة نقص الغذاء في إيران، بما يفتح سوقًا جديدةً للمزارعين الأمريكيين، ولم ينس في خضم ثنائه على مسار مفاوضات الدوحة أن يشير إلى الملف النووي، مؤكدا أن نزع سلاح طهران النووي يسير بشكل جيد.

وعلى الرغم مما أثاره تصريحه حول فرض شراء المنتجات الزراعية الأمريكية من تحفظات في أروقة القرار الإيراني، وما تردد من الرفض العلني للوصاية المالية الأمريكية والإملاءات، جاء ضم الوفد الإيراني المفاوض لمسؤولين من وزارة الزراعة معززا لما تردد من شائعات حول تفاوضه على أنواع المنتجات الزراعية الأمريكية التي سيتم استيرادها، وإن لم يتم الإعلان عن ذلك.

وقي هذا الصدد، اتفق “الألفي” مع فكرة استمالة الناخب الأمريكي، فقال: “إصرار ترامب على استخدام الأموال في شراء الحاصلات الزراعية من الفلاحين الأمريكيين، يحمل جانبا تسويقيا واضحا يستهدف الداخل الأمريكي، وعليه يكون هذا الشرط بمثابة مناورة انتخابية لاسترضاء كتلة الناخبين في الولايات الزراعية قبل انتخابات التجديد النصفي، ما يعكس تحليلا متقدما للدوافع السياسية. وفي السياق ذاته، هذا الشرط يعد بوابة لضمان تدفق الأموال إلى الاقتصاد المحلي، ما يحول المبادرة إلى ورقة رابحة سياسيا قبل أن تكون اقتصادية.

أما عن الجانب الإيراني، فالأرجح أن تدخل طهران في مباحثات فنية عميقة ومطولة، بدلا من الخضوع المباشر، وذلك لعدة أسباب:

أولها: طبيعة النظام الإيراني: التعامل مع الملفات الكبرى عبر (المباحثات الفنية المطولة) هو تكتيك إيراني معروف لإدارة الأزمات وكسب الوقت، حيث يسمح له هذا النمط بتحييد الضغوط المباشرة دون اتخاذ قرارات نهائية قد تكون مكلفة سياسياً.

وثانيها : تحويل النقاش: الانخراط في تفاصيل فنية- مثل: الكميات، الجدول الزمني، آليات التحويل- يسمح لإيران بتحويل النقاش من سياسة الشراء إلى تقنية التنفيذ، ما يمنحها مساحة للتفاوض حول سلة المنتجات بدلاً من الالتزام بصيغة ترامب الكاملة”.

 

صدمة الإفراج وتنصل الوسيط

بعد أيام من تعثر المفاوضات حول هذا الملف، فجر الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” مفاجأة حين أعلن رسميا قرار الإفراج عن الأموال، فقال في تصريحات لوكالات أنباء إيرانية: “بناءً على الخطط الموضوعة، سيتم الإفراج عن 6 مليارات دولار من إجمالي 12 مليار دولار من الموارد الإيرانية في قطر وإعادتها إلى البلاد، ويجري حاليًا متابعة الإجراءات اللازمة”، ولم يكشف عن مزيد من التفاصيل في هذا الصدد.

ولفت إلى أن تلك الأموال ستوجه لشراء السلع الإنسانية والاحتياجات الملحة للبلاد، ودعم مصداقيته ضم الوفد المفاوض مسؤولين من البنك المركزي ووزارة الزراعة الإيرانية، إذ يعني ذلك التركيز على القطاعين الزراعي والتمويني.

هنا اكتفى الطرف الأمريكي برد مقتضب، قال فيه مسؤولون بإدارة “ترامب”: “حتى الآن، لم يُفْرَجْ عن أي من الأموال الإيرانية المجمدة”، فلم ينف قطعيا تصريحات “بزشكيان” باتفاق الإفراج عنها مثلما لم يقرها، تاركا المجال للدوحة لتتكفل بعملية الرد التفصيلي، وقد اضطلعت الأخيرة بدورها بالنفي التام لبدء تحويل الأموال المجمدة لديها إلى طهران، مؤكدة أنها لا تملك تلك الأموال، إنما هي مجرد وسيطًا ماليا لإدارتها، في إطار الاتفاق المبرم بين طرفي الصراع، وأن تلك الأموال مخصصة للاحتياجات الإنسانية، لكنها مازالت تخضع لاتفاق عام 2023- حسب “ماجد الأنصاري” المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية.

كما شدد “الأنصاري” على أن الإفراج عن هذه الأموال مرهون باتفاق بين طرفي المعادلة، ويخضع لتقدم المفاوضات الذي لم يحرز حتى الآن.

لتعود قضية الأموال المجمدة إلى نقطة البداية دون قرار قاطع، تاركة على الطاولة ذلك التساؤل عن المصير المحتمل لها، وقد أجاب “الألفي” عليه في نهاية تصريحاته قائلًا: “ستظل هذه الأموال محصورة في حسابات مصرفية خاضعة للرقابة الأميركية، دون أن تتحول إلى سيولة نقدية قابلة للتحويل أو السحب الفوري.

ومن المتوقع أن يتم توجيهها بشكل أساسي نحو شراء سلع إنسانية أو طبية عبر آليات مراقبة أمريكية وأوروبية، مع تنامي احتمالات استخدام جزء منها ضمانة لتسهيل تبادل الأسرى، أو أداة لإعادة تأهيل العلاقات الدبلوماسية بين طهران وعواصم خليجية أخرى، لكنها ستبقى أموالاً محتجزة إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق إطاري شامل.”

 

من المفاوضات للضربات العسكرية

في طرحة لقضية المفاوضات والمماطلة، تناول “الألفي” احتمال أن يكون الأمر مناورة إستراتيجية لكسب الوقت واستئناف العمليات العسكرية، فقال: “قد يكون هناك تنسيق إستراتيجي مع إسرائيل لتأمين احتياجات المرحلة القادمة، بما يشير لاحتمال استئناف العمليات العسكرية، حيث يبدو أن الأهداف المعلنة (كالملف النووي ومضيق هرمز) لم تحسم بعد.

وعليه يكون الأمر برمته مناورة لكسب الوقت، حيث يدور الحديث عن تنسيق أوسع مع إسرائيل لفعل ذلك، بما يذهب بنا لضرورة الفهمً العميق للديناميكية الإقليمية، إذ تحتاج أي جولة عسكرية جديدة- بحلول الخريف مثلا- إلى غطاء دبلوماسي يُبررها، وقد تكون المفاوضات الحالية هي جزء من عملية بناء هذا الغطاء أو اختبار حدود الرد الإيراني.

وربما تحجج الجانب الأمريكي بفشل المفاوضات أو تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز لتبرير أي تحرك عسكري، بدلاً من كشف الأهداف الاستراتيجية الكبرى، ما يجعل الأمر مرتبطاً بتطورات الميدان وليس بجدول زمني جامد.

من هنا يكون المشهد مفتوحًا على عدة سيناريوهات: الأول تلجأ فيه طهران إلى التكتيك الفني المطول، فيما تستخدم واشنطن الملف باعتباره ورقة داخلية وخارجية في آن واحد، ومن جهة ثالثة تراقب إسرائيل عن كثب؛ وتبقى احتمالية التصعيد العسكري مرهونة بمدى نجاح أو فشل هذه اللعبة التفاوضية المعقدة في الشهور القادمة”.

في النهاية بقى ملف الأموال المجمدة وئيد الخطى، دون إحراز أي تقدم ملحوظ، على الرغم من نصوص الاتفاقيات القديمة والحديثة، التي تلزم واشنطن بتسليم تلك الأموال لطهران، بما يجعل من البنوك ساحة الحرب الجديدة بين الخصمين، التي تنذر بانهيار مسار التفاهم الهش والمفاوضات المترتبة عليه.

الأموال الإيرانية المجمدة بين الوصاية المالية الأمريكية والتنكر لمذكرة التفاهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *