الإسكندرية بوجهها الآخر.. ريف شاسع خلف البحر يصنع الغذاء ويحرك الاقتصاد

كتب: أسامة منيسي

ليست الإسكندرية مجرد كورنيش وميناء وشواطئ مزدحمة، فخلف المشهد الساحلي الشهير تمتد مدينة أخرى لا يراها كثيرون؛ مدينة من الحقول والمزارع تعمل في صمت، وتنتج غذاءً يصل إلى موائد المواطنين، وتحرك وراءها شبكة واسعة من التجارة والنقل والتصنيع.

من أراضي المعمورة والمنتزه والطابية وأبو قير شرقًا، مرورًا بأبيس ومريوط والنهضة، وصولًا إلى برج العرب غربًا، تتشكل خريطة زراعية واسعة تمثل أحد الأعمدة الخفية لاقتصاد الإسكندرية، وترتبط بأسواق تمتد إلى البحيرة والنوبارية وغرب الدلتا.

وتكشف بيانات مديرية الزراعة بالإسكندرية حجم هذه الثروة الزراعية، إذ يصل إجمالي الزمام التابع لإدارة برج العرب الزراعية إلى 72 ألفًا و574 فدانًا، منها 47 ألفًا و853 فدانًا مزروعة، بالإضافة إلى أكثر من 21 ألف فدان قابلة للاستصلاح، بما يجعل المنطقة واحدة من أهم مراكز الإنتاج الزراعي بالمحافظة.

حقول القمح.. إنتاج استراتيجي من أرض الإسكندرية
يأتي القمح في مقدمة المحاصيل التي تعكس أهمية هذا النشاط، حيث بلغت المساحة المنزرعة بالمحصول خلال موسم 2025 نحو 25 ألفًا و174 فدانًا، وسط جهود لرفع الإنتاجية من خلال الحقول الإرشادية وبرامج تحسين أساليب الزراعة وترشيد استخدام المياه.

وأكدت الدكتورة ثناء حمد عبد الكريم، رئيس الحملة القومية للنهوض بمحصول القمح بالإسكندرية، أن متوسط إنتاجية الفدان في أراضي كينج مريوط بلغ نحو 20 أردبًا، مشيرة إلى تنفيذ برامج إرشادية شملت مناطق زراعية مختلفة بالمحافظة.

رحلة المحصول لا تنتهي عند الحصاد
خلف كل محصول قصة اقتصادية تبدأ قبل الزراعة، من تجهيز الأرض وشراء المستلزمات، ثم تمتد إلى الحصاد والفرز والتعبئة والنقل والتسويق، لتتحول الأرض الزراعية إلى محرك لسلسلة طويلة من الأنشطة والوظائف.

ويقول عبد النعيم موسى، أحد مزارعي الإسكندرية، إن ارتفاع تكاليف الإنتاج أصبح تحديًا رئيسيًا أمام المزارعين، موضحًا أن نجاح الموسم لا يتوقف على جودة المحصول فقط، بل يرتبط أيضًا بوجود سوق مناسب يضمن عائدًا يغطي النفقات.

وفي أسواق الجملة، تتواصل دورة الحياة الزراعية، حيث يؤكد غازي جبريل، أحد كبار تجار وكالة العامرية، أن السوق يستقبل إنتاج مناطق متعددة داخل وخارج الإسكندرية، بينما تتغير حركة التداول وفقًا للمواسم وحجم المعروض.

ويشير عماد ناصر، أحد تجار وكالة الحضرة، إلى أن أسواق الجملة تمثل حلقة الربط بين المنتج والمستهلك، وتلعب دورًا أساسيًا في إعادة توزيع السلع داخل المحافظة وخارجها.

من الزراعة إلى الإنتاج الحيواني
ولا يتوقف ريف الإسكندرية عند المحاصيل النباتية، بل يمتد إلى الإنتاج الحيواني والداجني، حيث تضم أبيس محطة إنتاج البيض التابعة لوزارة الزراعة والمعروفة باسم محطة 15 مليون بيضة، إلى جانب مشروعات لإنتاج الدواجن في نطاق العامرية.

النوبارية.. امتداد زراعي يغذي الأسواق
ورغم عدم تبعيتها إداريًا لمحافظة الإسكندرية، فإن النوبارية تمثل امتدادًا مهمًا للمجال الزراعي المرتبط بأسواق المحافظة، حيث تضم مساحات ضخمة من المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح وبنجر السكر والفول والبرسيم.

ويظهر الارتباط بين الزراعة والصناعة بوضوح في محصول بنجر السكر، إذ تعتمد منظومة الإنتاج على مساحات واسعة لتوفير احتياجات مصنع النوبارية للسكر، بما يحول المحصول من مجرد إنتاج زراعي إلى نشاط صناعي يوفر فرص عمل ويدعم الاقتصاد المحلي.

ثروة خضراء تواجه تحديات المستقبل
رغم الدور الكبير الذي يلعبه الريف السكندري، فإنه يواجه تحديات متزايدة، من بينها ارتفاع تكلفة الإنتاج، ومشكلات المياه والأسمدة والعمالة، فضلًا عن الضغط العمراني على الأراضي الزراعية.

ولهذا فإن حماية هذه الأراضي لا تعني الحفاظ على المساحات الخضراء فقط، بل حماية منظومة اقتصادية كاملة تبدأ من الفدان، وتضم المزارع والتاجر والعامل ووسائل النقل والأسواق، وتنتهي بوصول الغذاء إلى المواطن.

الإسكندرية التي يعرفها الجميع مدينة للبحر، لكنها في الخفاء مدينة أخرى تنبض بالزراعة والإنتاج؛ ريف عملاق يعمل بعيدًا عن الأضواء، لكنه حاضر كل يوم على موائد أهلها وفي حركة اقتصادها.

اترك رد