الإعلامية هيام أحمد: تكتب«بيوت بلا جدران»
حين يطغى الفضول على الرحمة، وتنهار الأخلاق قبل الجدران، لا يعود الخطر خارج البيوت بل يتسلل إليها، فتصنع العدسات سجونًا بلا أقفال.
لم تعد الجدران تحمي أحدًا، ولم تعد الأبواب فاصلاً بين الداخل والخارج.
في زمن الكاميرات، أصبح البيت مساحة مرئية، وأصبحت الخصوصية تفاوضية.
القانون أتاح استخدام كاميرات المراقبة لحماية الممتلكات وردع الجريمة، لكنه لم يحمِ من سوء استخدام البشر لها.
“التكنولوجيا منحتنا عيونًا تحمي، لكنها في يد غير راشدة قد تتحول إلى عيون تؤذي.
فالعدسة تتحول من أداة أمان إلى أداة هيمنة، ومن وسيلة حماية إلى وسيلة تتبع، ومن حق مشروع إلى انتهاك صامت.
المشكلة لم تبدأ بالكاميرا، بل بالإنسان نفسه.
في السنوات الأخيرة، تغير سلوك البشر بشكل لافت. القلق المستمر، الاضطرابات النفسية، النزعة النرجسية، والرغبة في السيطرة على الآخرين، جعلت من المراقبة أداة ضغط وخوف، والجار أحيانًا خصمًا بدلًا من شريك السكن.
“وأصبحت الخصوصية قابلة للرصد، كأن الجدران لم تعد كافية لحماية السكينة.
المراقبة تمنح شعورًا زائفًا بالقوة، بينما المعرفة قد تتحول إلى سلاح ضد الآخرين.
وهنا تتحول الكاميرا من عين تحرس إلى عين تتلصص، ومن جهاز أمني إلى امتداد لاضطراب داخلي.
الأخطر أن هذا السلوك لا يقف عند الفضول، بل يتحول إلى ترويع، وتضييق، واعتداءات لفظية وجسدية، وتشويه سمعة، وإرهاب للآخرين داخل بيوتهم.
كما تعامل الناس، تُكتب حقيقتك.
“عامل الناس كما تحب أن يُعاملوك، فإن المعاملة الطيبة تزرع الاحترام والسكينة في النفوس.
“أيها الجيران.. لنحمي بيوتنا بقلوبنا قبل جدراننا، ولنزرع الأمان بالرحمة قبل الخوف، فالعنف السائد بين الناس، وإن أهملناه اليوم، قد يتحول غدًا إلى جريمة تهدد كل ما نحب.”
لن يتغير مجتمعنا إلا إذا بدأنا بأن نضيء أنفسنا أولًا، فبهدي وعينا نستعيد مجتمعنا ونبني غدًا أفضل.
ايام زمان الجيران كانت قلوبًا تلتقي قبل البيوت ،وكم نفتقد ذلك الآن.
البيوت لم تعد بلا جدران بسبب التكنولوجيا فقط، بل لأن بعض البشر فقدوا الحدود النفسية قبل أن يفقدوا الحدود المعمارية.
الجار ليس عدوًا، والبيت ليس برج مراقبة، والأمان لا يُصنع بالخوف.
الحل ليس في نزع الكاميرات، ولا في إلغاء القانون، بل في إعادة تعريف الحدود:
.وعي قانوني يفرق بين الحماية والانتهاك
.ثقافة تحترم المساحة الشخصية كما تحترم الملكية
.إعادة إحياء القيم الأخلاقية في التعامل اليومي.الرحمة والإنسانية ليستا رفاهية، بل درع يحمي المجتمع قبل أن يحمي البيوت.
اللهم أصلح ما بيننا، واهدِ من أساء إلينا، واجعل بيوتنا سكنًا لا خوف فيه، ونفوسنا رحمة لا أذى فيها، واحفظنا بحفظك الجميل، وردّ إلينا طمأنينتنا ردًا كريمًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا…” (رواه البخاري ومسلم).




