في هذا العصر، لم يعد الإنسان يضيع في الطرقات،بل يضيع وهو جالس في غرفته.
لم يعد الخوف قادمًا من الغابة أو من صوت الرعد كما كان يفعل بأسلافنا، بل أصبح يسكن داخل الهاتف، داخل الأخبار، داخل الأرقام البنكية، داخل إشعارات العمل، وداخل الحروب التي نراها لحظة بلحظة حتى بدا العالم كله غرفة واحدة ممتلئة بالصراخ.
أصبحنا نعرف كل شيء،.إلا كيف ننجو بأنفسنا.
الطريق إلى المنزل لم يعد طريقًا جغرافيًا،
بل رحلة طويلة للعودة إلى الإنسان الذي فقدناه داخل هذا الزحام الرقمي الهائل.
نحن الجيل الذي يملك آلاف الصور، ولا يتذكر آخر مرة شعر فيها بالأمان الحقيقي.
الجيل الذي يستطيع الوصول إلى أي مكان بضغطة زر، لكنه يعجز أحيانًا عن الوصول إلى راحة قلبه.
نبتسم في الصور بينما أرواحنا تركض حافية داخل قلقٍ لا ينتهي.
العالم لم يعد قاسيًا فقط..بل أصبح أسرع مما تحتمله أرواح البشر.
الحروب لم تعد بعيدة، والاقتصاد لم يعد مجرد أرقام في نشرات الأخبار، والخوف لم يعد احتمالًا مؤجلًا.
كل شيء بات يدخل بيوتنا مباشرة:
الدمار، التضخم، الوحدة، المقارنات، أخبار الموت، وانهيارات البشر التي تُعرض علينا يوميًا حتى كادت القسوة تبدو أمرًا عاديًا.
حتى الحب أصبح مرهقًا أحيانًا،
والصداقة تحتاج إلى مقاومة،
والنوم لم يعد بريئًا كما كان.
نعيش في عالم يجعل الإنسان يشعر بأنه متأخر طوال الوقت، مهما بذل من جهد.
هناك دائمًا من يبدو أكثر نجاحًا أو استقرارًا أو سعادة، بينما تخفي الشاشات حقيقة أن الجميع يحمل معاركه الخاصة في الخفاء.
ولهذا أصبح التعب الجماعي هو اللغة غير المعلنة لهذا العصر.
في كل بيت الآن حرب صغيرة لا يراها أحد:
أب يخاف من الغد، أم تحاول أن تبدو قوية
شاب يشعر أن مستقبله يتآكل ببطء،
فتاة تحارب الوحدة خلف شاشة مضيئة،وأطفال يكبرون بسرعة داخل عالم لا يمنحهم وقتًا كافيًا ليكونوا أطفالًا.
حتى المدن تغيرت ملامحها؛
الناس تمر بجوار بعضها دون أن تلتقي حقًا،
المقاهي ممتلئة، لكن القلوب أكثر وحدة من أي وقت مضى.
لكن المأساة الأعمق ليست في قسوة العالم..
بل في اعتياد الإنسان عليها.
أصبح يسمع عن المجاعة وهو يتناول طعامه،
ويشاهد الحروب قبل النوم،
ويرى انهيار الآخرين بين إعلانين تجاريين.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
أين المنزل؟ هل المنزل هو المكان؟أم الشعور؟
أم ذلك الأمان النادر الذي يجعل الإنسان يخلع خوفه دون خجل؟
ربما المنزل الحقيقي ليس جدرانًا،
بل طمأنينة داخل الروح،
أو شخصًا يجعل هذا العالم أقل قسوة،
أو قدرة الإنسان على العودة إلى نفسه قبل أن يستهلكه الركض بالكامل.
ورغم كل هذا الضجيج، لا يزال هناك طريق للنجاة.
أن يخفف الإنسان قليلًا من هذا التدفق الهائل للأخبار والخوف.
أن يعود للحديث الحقيقي لا السريع.
أن يمنح قلبه وقتًا للراحة بعيدًا عن المقارنات المستمرة.
أن يتذكر أن قيمته لا تُقاس بسرعة الإنجاز ولا بقدرة العالم على التصفيق له.
فالنجاة في هذا الزمن لم تعد في امتلاك كل شيء..
بل في ألّا يفقد الإنسان نفسه.
ورغم كل ما يحدث، ما زال البشر يستيقظون كل صباح، يحبون، يحلمون، ويتمسكون بالأمل في أكثر الأيام قسوة، وكأن الروح البشرية ترفض الاستسلام مهما أثقلها العالم.
اللهم خفف عن قلوب البشر هذا الحمل الخفي الذي لا يراه أحد،
وارزقنا طمأنينة لا تهزها الحروب، ولا تسرقها الحياة السريعة،
وأعد إلى أرواحنا الطريق الذي يوصلنا إليك..وإلى أنفسنا بسلام.
لأن الطريق إلى المنزل..
قد لا يكون طريقًا إلى مكان،
بل رحلة طويلة للعودة إلى إنسانيتنا قبل فوات الأوان.وفي زمنٍ أصبح العالم فيه قادرًا على الوصول إلى كل شيء..
بقي الإنسان عاجزًا عن الوصول إلى نفسه،
لذلك سيظل الطريق إلى المنزل..
أطول رحلة يخوضها البشر..
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم