على كوكب الخوف ،لا تُولد المرأة بريئة من الألم، بل تُولد محملة بما سيُطلب منها أن تتحمله.
تتعلم النجاة قبل أن تفهم الحياة، وتمشي في عالمٍ لا يسألها من تكون، بل ماذا ترتدي، كيف تتكلم، ولماذا وُجدت أصلًا.
ليست كل الجرائم تُرتكب بالسلاح.
بعضها يُرتكب باسم الحب، وبعضها باسم الشرف، وبعضها باسم “الحق”.
لكن النتيجة واحدة: جسدٌ يُستباح، وصوتٌ يُكتم، وامرأة تُختصر في لحظة عنف كأنها لم تكن إنسانًا من قبل.
في كل يوم تُقتل نساء لأن رجلًا قرر أن الرفض إهانة، أو أن الجسد ملكية، أو أن الخوف وسيلة تفاهم.
وفي كل يوم تُضرب امرأة حتى تتعلم أن البقاء أهم من الكرامة، وتُغتصب حتى يُعاد تشكيل ذاكرتها على فكرة واحدة: أن العالم لا يراها كاملة، بل شيئًا يمكن كسره.
الأخطر من الجريمة.. هو تعودها.
أن يصبح الألم خبرًا عابرًا، والدمعة تفصيلًا، والنجاة استثناءً لا يُسأل عنه أحد.
ولم يعد الألم يقف عند حدود النساء فقط، فحتى الطفولة التي يُفترض أن تكون أكثر ما في الحياة أمانًا، لم تسلم من هذا الاضطراب الممتد.
ربما لا تكمن المشكلة في الغريزة، بل في حين تتحول الغريزة إلى قانون.
حين يصبح الجسد مساحة امتلاك، والأنوثة تهمة، والرفض سببًا للعقاب.
عندها لا نكون أمام أفراد يخطئون، بل أمام ثقافة تُعيد إنتاج العنف كل يوم بشكل أكثر هدوءًا..وأكثر قسوة.
العنف الحقيقي لا يبدأ بالضرب، بل بالتصديق أن الضرب مبرر.
لا يبدأ بالجريمة، بل بالفكرة التي تعتبر المرأة أقل قابلية للحماية، وأكثر قابلية للتفسير.
ولهذا، فإن ما يحدث ليس “حوادث”، بل نظام خفي يعيد تعريف المرأة كل يوم؛
مرة كخطر، مرة كفتنة، مرة كملكية، ونادرًا كإنسان كامل.
ليس المطلوب شفقة، بل عدالة تُنصف النساء وتمنحهن أمانًا لا يُبرَّر ولا يُشترى.
الحل هنا ليس إصلاح الضحايا، بل كسر فكرة الامتلاك نفسها.
قانون لا يفاوض، ووعي لا يبرر، وتربية تُسقط قداسة القوة حين تتحول إلى أذى.
لأن المجتمع الذي يحتاج أن “يُقنع” نفسه بأن العنف خطأ..هو مجتمع لم يخرج بعد من جذور العنف.
ورغم كل هذا، لا تزال المرأة لا تنطفئ.
ليست لأنها قوية دائمًا، بل لأنها تُجبر على أن تُكمل.
وفي كل مرة يُراد لها أن تنكسر فيها، تُعيد الحياة ترتيب نفسها داخلها بشكل لا يُفهم، لكنه يحدث.
هي ليست ضحية فقط..بل شاهد على عالم فقد توازنه، وما زال يسمي ذلك “طبيعة الحياة”.
نحن لا نعيش على كوكب متوحش لأن الوحوش فيه، بل لأن الوحش أحيانًا يُصدق أنه طبيعي.
ولهذا سُمي هذا العالم عند كثير من النساء: كوكب الخوف- كوكبٌ لا يُقاس فيه العمر بالسنوات، بل بعدد المرات التي اضطرت فيها الروح أن تتنازل عن حقها في الأمان لتستمر. خسارة المرأة ليست فقدان نصف المجتمع فقط، بل انطفاء المعنى الذي يُبقي هذا العالم قابلًا للحياة، ايها العالم انتبه ،حين تُهان المرأة، لا يسقط فرد..بل تتصدع إنسانية العالم كله.
والعالم الذي لا يحمي المرأة، يفقد حقه في ادعاء الحضارة،
اللهم احفظ كل امرأة من ظلمٍ يتخفى في العادة، ومن أذى يُسمّى حقًا، واجعل في الأرض عدلًا، لا يحتاج تفسيرًا، ويُعيد للإنسان إنسانيته.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم