تقرير: مصطفى علي
من بين الأدعية التي ارتبطت بقلوب المسلمين وألسنتهم عقب الأذان والإقامة، يبرز دعاء الوسيلة كأحد أعظم الأذكار التي تجمع بين العبادة والرجاء، وبين الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والطمع في شفاعته يوم القيامة.
دار الإفتاء المصرية أوضحت في بيانٍ مفصلٍ أن هذا الدعاء النبوي الشريف، الذي يقال عقب الأذان والإقامة، يحمل فضلًا عظيمًا ووعدًا صادقًا، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة».
ويكشف هذا الحديث الصحيح عن علاقة روحية عظيمة بين المؤمن ونبيه، فالدعاء ليس مجرد كلمات، بل هو باب من أبواب الفوز بالشفاعة الكبرى التي يتمناها كل مسلم.
الإفتاء: يُستحب الدعاء بعد الأذان والإقامة
أوضحت دار الإفتاء أن دعاء الوسيلة مستحب لكل من المؤذن والسامع بعد انتهاء الأذان، وكذلك بعد إقامة الصلاة، مشيرة إلى أن السنة النبوية دعت إلى هذا الذكر الجليل الذي يربط قلب المسلم بذكر رسول الله في كل وقت صلاة.
وجاء نص الدعاء كما ورد في الحديث الشريف:
«اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ».
وأشارت الإفتاء إلى أن المقيم والسامع كلاهما مأجوران على قراءة هذا الدعاء، موضحة أنه يُستحب أن يسمع المسلم نفسه عند قوله الدعاء دون رفع صوته، اقتداءً بآداب الذكر والخشوع.
حديث نبوي يُبشّر بضمان الشفاعة
الحديث الذي رواه الإمام البخاري يعد من أوضح النصوص الدالة على فضل هذا الدعاء، إذ يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم أن من قاله بعد سماع الأذان أو عند إقامته، وجبت له شفاعته يوم القيامة.
وقد أوضح الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء، في أحد مقاطع الفيديو المنشورة عبر الصفحة الرسمية للدار، أن هذا الدعاء من السنن المؤكدة التي تمنح المؤمن شرف الشفاعة الكبرى دون الحاجة إلى زيارة قبر النبي، مستدلًا بحديثه الشريف السابق.
وأضاف وسام أن السنة تقضي بأن يردد المسلم الأذان مع المؤذن، فيقول مثلما يقول إلا في الحيعلتين، أي عند قوله “حي على الصلاة، حي على الفلاح”، فيجيب: “لا حول ولا قوة إلا بالله”، ثم بعد الفراغ من الأذان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبعها بدعاء الوسيلة لينال هذا الفضل العظيم.
دعاء الوسيلة بعد الإقامة.. عبادة تغفل عنها كثير من الناس
وفيما يخص قراءة الدعاء بعد إقامة الصلاة، بيّنت دار الإفتاء أن الأمر مستحب كذلك للمقيم والسامع، حيث يُسن لهما أن يقولا الدعاء بعد فراغ المؤذن من الإقامة، تأسّيًا بالهدي النبوي الشريف.
وأكدت الدار أن المؤذن نفسه يدخل في فضل الدعاء لأنه يسمع نداءه كما يسمعه غيره، ومن ثم يشرع له أيضًا أن يقول هذا الذكر المبارك، فينال نفس الأجر والثواب الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم.
طريق الشفاعة دون السفر إلى المدينة
من جانبه، قدّم الدكتور محمد محمود أبو هاشم، نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف، توضيحًا مهمًا حول كيفية نيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يسافر المسلم إلى قبره الشريف.
فبيّن أن هناك طريقتين مضمونتين للفوز بالشفاعة، الأولى هي الإكثار من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله سبحانه وتعالى وكل ملائكة مخصوصين لتبليغ الصلاة والسلام من العباد إلى نبيهم الكريم.
أما الطريقة الثانية فهي المواظبة على ترديد دعاء الوسيلة عقب الأذان، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ؛ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وأكد أبو هاشم أن من التزم بهذا الذكر عقب كل أذان نال شفاعة النبي كمن زاره في قبره الشريف، لأن الدعاء نفسه يحمل معنى الزيارة الروحية، ومقام التوسل والطلب القلبي للشفاعة من نبي الرحمة.
الوسيلة والفضيلة.. معانٍ روحانية عميقة
شرح الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، المعاني الجليلة التي يتضمنها هذا الدعاء، موضحًا أن قوله: «آت محمدًا الوسيلة والفضيلة» يحمل أبعادًا إيمانية عميقة.
الوسيلة كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم هي درجة رفيعة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد واحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “وأرجو أن أكون أنا هو”، لذا دعا أمته إلى أن تسأل الله له هذه المنزلة العالية.
أما الفضيلة فهي من الفضل والزيادة، أي العلو في المكانة والمنزلة، ويدخل في معناها تفضيل النبي في الدنيا والآخرة، وبلوغه المقام الأعلى بين الخلق جميعًا.
وأشار جمعة إلى أن بعض المسلمين يزيدون في الدعاء قولهم: «والدرجة العالية الرفيعة»، موضحًا أن هذه الزيادة ليست من أصل الحديث الصحيح، لكنها لا تُعد بدعة، لأنها تفسير لما قبلها، ومقصدها بيان رفعة مقام النبي.
أكد العلماء أن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم تمثل طريقًا مباشرًا لنيل شفاعته، كما ورد في الأحاديث الصحيحة:
«أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة».
فكلما أكثر العبد من الصلاة على نبيه، كلما ازداد قربه منه في الجنة، وتهيأ لنيل شفاعته يوم القيامة، لأن الصلاة على النبي تفتح للعبد أبواب الرحمة والمغفرة، وتطهّر القلب من الغفلة.
ولهذا، يُسن بعد كل أذان وإقامة أن يصلي المسلم على النبي، ثم يتبعها بدعاء الوسيلة، ليجمع بين فضل الذكر وفضل الدعاء وفضل الشفاعة.
الوسيلة والمقام المحمود.. وعد إلهي لنبيه الكريم
الآية الكريمة التي أشار إليها الحديث الشريف هي قوله تعالى:
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}.
وقد فسر العلماء هذا المقام المحمود بأنه مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة، حين يشفع النبي صلى الله عليه وسلم للبشرية جمعاء، فيُرفع إليه اللواء ويُفتح له باب الشفاعة الكبرى التي لا تكون لأحد سواه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم