حوار: سمر صفي الدين
تكشف التطورات الإقليمية المعقدة والمتشابكة عن تنامي دور باكستان أمنيًا ودبلوماسيًا في المنطقة، مع تعزيزها شراكاتها مؤخرًا مع السعودية وتركيا عبر اتفاق مكة للدفاع المشترك، بالتوازي مع حفاظها على قنوات تواصل مع قوى دولية وإقليمية، كان أهمها رعاية مفاوضات الحرب الإيرانية.
في هذا السياق، أجرت صحيفة “اليوم” مقابلة مع السفير جاويد حفيظ الدبلوماسي الباكستاني السابق، ورئيس مركز إسلام آباد للدراسات السياسية، تناول فيها ملامح التحرك الدبلوماسي لبلاده في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، مؤكدًا أهمية الجمع بين جهود الوساطة في النزاعات الدولية وتعزيز الشراكات الإقليمية لدعم الأمن والاستقرار.
كما تطرق إلى مستقبل هذه السياسة وانعكاسات التحالفات الإقليمية على دور بلاده الدبلوماسي، إلى جانب فرص تعزيز العلاقات المصرية الباكستانية وتنسيق المواقف بشأن أمن الممرات المائية وحماية حرية الملاحة الدولية ودعم استقرار المنطقة.
- كيف تنجح باكستان في إدارة التوازنات الصعبة بين السعودية وتركيا من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى جانب علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والصين؟
تنجح باكستان في إدارة هذه المعادلة المعقدة من خلال صدق النية والدبلوماسية المحنكة، بما يسمح لها بالحفاظ على علاقاتها المتعددة دون تحويلها إلى مصدر للتعارض أو الصدام.
فعلاقاتنا مع الصين، على سبيل المثال، لا تتعارض بالضرورة مع مصالحنا الأمريكية، كما تربطنا بالصين، بوصفها دولة جارة مهمة، علاقات اقتصادية وثقافية وتاريخية.
وتتميز علاقاتنا مع السعودية وتركيا بالقوة والتميز، وقد تعززت بصورة أكبر بعد تأسيس “اتفاق مكة”، لكن هذا الاتفاق ليس موجهًا ضد إيران، وإنما يستهدف تطوير التعاون العسكري بين الدول الثلاث، بما يدعم الاستقرار الأمني في المنطقة.
- إلى أي مدى تستطيع إسلام أباد توظيف هذه العلاقات في الوساطة وتسوية النزاعات؟
فيما يتعلق بالوساطة، فقد أدت باكستان دورًا مهمًا بين الولايات المتحدة وإيران، واستطاعت التعامل مع هذا الملف الصعب باقتدار، رغم أن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود، بل كان شاقًا للغاية، أشبه بالإبحار عكس التيار.
وقد أسعدنا أن نتمكن من استضافة الطرفين في إسلام آباد والجلوس معًا على طاولة واحدة، في إطار جهودنا الرامية إلى إحلال السلام وتهدئة المواقف. ورغم أن السلام لم يتحقق حتى الآن، فإننا بذلنا جهودًا جادة لتقريب وجهات النظر.
ومع ذلك، أرى أن دور باكستان وسيطًا بين إيران والولايات المتحدة ربما يكون قد انتهى بعد انضمامها إلى “اتفاق مكة”، لأن الوساطة تتطلب الحياد الكامل وعدم الانحياز. وفي ضوء التطورات الأخيرة في اليمن ووجود القوات الباكستانية في المملكة العربية السعودية، قد تتأثر صورة باكستان بوصفها طرفًا محايدًا.
لكن ذلك لا يعني انتهاء الدور الباكستاني في دعم السلام، بل ربما انتقاله إلى مسار آخر، يتمثل في العمل مع السعودية وتركيا لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، بما يخدم شعوب المنطقة وازدهار التجارة العالمية والأنشطة الاقتصادية.
- بالنظر إلى الروابط الدينية والتاريخية التي تجمع مصر وباكستان، كيف يمكن للقاهرة وإسلام آباد، بالتنسيق مع الرياض وأنقرة، تحويل هذه الروابط إلى تفاهمات سياسية وعملية تدعم الاستقرار الإقليمي؟
توجد عدة مسارات يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف، وفي مقدمتها تعزيز التعاون بين مصر وباكستان، سواء من خلال انضمام مصر إلى “اتفاق مكة” أو عبر التنسيق الوثيق دون الانضمام إليه.
فمصر كانت ولا تزال ضمن اللجنة الرباعية، أو مجموعة الدول الأربع، التي عقدت جولات متعددة من المشاورات في إسلام آباد وخارجها خلال الحرب الأمريكية الإيرانية، كما تتقارب رؤى القاهرة وإسلام آباد بشأن هذه الحرب والتطورات في منطقة الخليج.
وتتوافق مواقف البلدين أيضًا بشأن الأوضاع في البحر الأحمر والتوترات بين المملكة العربية السعودية الشقيقة وجماعة الحوثي، إذ تسعى مصر وباكستان إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
ومن هنا، فإن تعزيز التعاون العسكري والثقافي بين البلدين يمثل خطوة مهمة لتوثيق العلاقات وترسيخ أسس الاستقرار الإقليمي.
ويمكن لهذا التعاون الوثيق أن يحقق مصالح مشتركة لمصر وباكستان، ويدعم استقرار المنطقة، ويخدم شعوب الأمة العربية والإسلامية.
- ما فرص انضمام دول إقليمية أخرى إلى “اتفاق مكة” للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا؟
إن “اتفاق مكة” للدفاع المشترك ليس اتفاقًا حصريًا، بل يظل مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى ترغب في المشاركة فيه.
لكن الاتفاق لا يزال حديث التأسيس، وقد بدأت خطوات تنظيم العمل وفتح المكاتب والأقسام في مقره بمكة المكرمة، ولذلك ربما نحتاج إلى الانتظار لمعرفة الدول التي ستبدي رغبتها في الانضمام إليه.
ويعتمد انضمام أي دولة جديدة على موافقة الدول الثلاث المؤسسة، وهي المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، بما يعني أن الباب مفتوح للتوسع، لكن وفق التفاهم بين الأطراف المؤسسة للاتفاق.
- في ظل التوترات الراهنة والمخاطر الأمنية المحيطة بالممرات المائية الحيوية، ولا سيما مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، كيف يمكن لمصر وباكستان تنسيق مواقفهما دبلوماسيًا لحماية حرية الملاحة الدولية؟
تفرض الأوضاع الراهنة على مصر وباكستان تعزيز التنسيق، نظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية للممرات المائية بالنسبة إلى البلدين وحجم التجارة التي تمر عبرها.
فباكستان ترتبط بتجارة كبيرة مع دول الخليج، وتعتمد في الحصول على معظم مواردها من الطاقة على منطقة الخليج، بينما ترتبط مصر بممرات البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، التي تمثل أهمية كبيرة لحركة الصادرات والتجارة.
وبالتالي، فإن أي إعاقة للملاحة أو اعتداء على السفن يضر بالتجارة الدولية والاقتصاد العالمي، ولا تقتصر آثاره على مصر وباكستان، بل تمتد إلى دول أخرى تعتمد على هذه الممرات الحيوية.
ويؤكد القانون الدولي أهمية إبقاء هذه الممرات مفتوحة أمام الملاحة الدولية ومرور السفن التجارية بحرية وأمان، وفق القواعد المنظمة للملاحة البحرية، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لـ”قانون البحار” لعام 1982.
ويمكن لمصر وباكستان تنسيق مواقفهما عبر المنابر الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى جانب تعزيز التعاون البحري بين البلدين.
وتشارك القوات البحرية الباكستانية في جهود حماية التجارة البحرية في بحر العرب وصولاً إلى منطقة القرن الإفريقي، لمواجهة القرصنة وغيرها من الأعمال العدائية التي تهدد أمن السفن.
ومن ثم، فإن تعزيز التنسيق الدبلوماسي والتعاون البحري بين القاهرة وإسلام آباد يمثلان مسارين مهمين لحماية حرية الملاحة، ودعم استقرار التجارة العالمية، والمساهمة في استعادة النمو الاقتصادي والتجاري في منطقة الخليج وآسيا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم