التجارة الإلكترونية تحت الاختبار.. «اليوم» يتدخل لحل شكوى عميل مع صفحة «هودوم».. واتفاق على استرداد 750 جنيهاً

شكاوى المستهلكين تفتح ملف البيع عبر «فيسبوك».. تجربة عبدالله مفتاح وربيع محمد تكشفان تحديات الثقة والاسترجاع.. ومطالب بآليات أكثر فاعلية لحماية المشترين

بين صور المنتجات الجذابة ووعود الشحن المجاني وسهولة الشراء، يضغط المستهلك على زر الطلب عبر «فيسبوك»، آملاً في الحصول على منتج يلبي احتياجاته، لكنه قد يفاجأ بواقع مختلف عما شاهده على الشاشة؛ فاختلاف المقاسات، وغموض شروط الاستبدال والاسترجاع، وتكاليف الشحن الإضافية، قد تحول تجربة الشراء البسيطة إلى خلاف بين العميل والبائع.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود الشكوى، بل تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن حماية حقوق المستهلك في سوق تتزايد فيه معاملات البيع عبر المنصات الرقمية، خاصة عندما لا تكون بيانات البائع واضحة، أو تتعثر محاولات الوصول إلى تسوية مرضية؟

وفي هذا السياق، ترصد جريدة وموقع «اليوم» تجربتين للصحفيين عبدالله مفتاح وربيع محمد، تكشفان جوانب مختلفة من تحديات الشراء الإلكتروني، كما توثق استجابة صفحة الملابس «هودوم» لشكوى عبدالله مفتاح بعد خلاف وصل إلى حظر العميل، وصولاً إلى تسوية بين الطرفين بعد تدخل «اليوم» ومحاولته تقريب وجهات النظر.

عبدالله مفتاح.. جلباب بـ950 جنيها وخلاف حول الاسترجاع

بدأت الواقعة عندما اشترى الصحفي عبدالله مفتاح جلباباً من صفحة الملابس «HUDOM» عبر موقع «فيسبوك»، مقابل 950 جنيهاً، بعدما شاهد صور المنتج وتلقى، بحسب روايته، تأكيدات بشأن الشحن المجاني وإمكانية معاينة الطلب.

وأوضح مفتاح، في تصريحات خاصة لـ«اليوم»، أنه فوجئ برفض المندوب السماح له بمعاينة الجلباب أو تجربته قبل الاستلام، ليتبين له بعد تسلم المنتج أن المقاس واسع ولا يناسبه.

وأضاف أنه حاول التواصل مع الصفحة لبحث إمكانية الاستبدال أو الاسترجاع، إلا أن الخلاف احتدم بشأن مصاريف الشحن والإجراءات المطلوبة لإعادة المنتج، مشيراً إلى أنه قرر تقديم بلاغ إلى جهاز حماية المستهلك.

وتسلط الواقعة الضوء على أهمية الاتفاق المسبق على شروط التسليم والاستبدال والاسترجاع، وعدم ترك المستهلك أمام تكاليف أو إجراءات لم تتضح له قبل إتمام عملية الشراء.

«هودوم» ترد على شكوى العميل.. ومصاريف الشحن محور الخلاف

حرصت «اليوم» على التواصل مع القائمين على صفحة الملابس «هودوم» للوقوف على وجهة نظرها بشأن الشكوى، والاستماع إلى ردها على ما ذكره العميل.

وخلال التواصل، أوضحت مديرة الصفحة أن مصاريف شحن الاستبدال تبلغ 150 جنيهاً، بينما تصل مصاريف شحن الاسترجاع إلى 200 جنيه، في حالة استلام الطلب دون معاينة.

وأرجعت المديرة استلام العميل للطلب دون معاينته إلى أن المندوب رفض، بحسب توضيحها، إتاحة الفرصة له لمعاينة المنتج وقت التسليم، مشيرة إلى أن الصفحة تطالب العميل بتحمل تكلفة الشحن المرتبطة بإعادة المنتج.

وعند سؤالها عما إذا كانت قد أبلغت العميل مسبقاً بتفاصيل مصاريف الاسترجاع البالغة 200 جنيه، أجابت بالنفي، موضحة أن العميل يفترض أن يكون على علم بهذه التفاصيل.

وفي المقابل، شددت «اليوم» خلال المناقشة على أن إبلاغ المستهلك بشروط الاستبدال والاسترجاع وتكاليفهما قبل إتمام عملية الشراء أمر ضروري، حتى يتمكن من اتخاذ قراره على أساس واضح، سواء بالموافقة على الشراء أو رفضه.

كما جرى التأكيد على أن رفض المندوب إتاحة معاينة المنتج، وفقاً لما ذكره العميل، يثير تساؤلات بشأن إجراءات التسليم ومدى وضوحها، خاصة أن المعاينة قد تساعد المستهلك على التحقق من ملاءمة المنتج قبل إتمام الاستلام.

تدخل «اليوم» ينتهي بتسوية.. العميل يسترد 750 جنيهًا

وفي محاولة لإنهاء الخلاف، سعت «اليوم» إلى تقريب وجهات النظر بين العميل ومديرة الصفحة، وطرح حلول تراعي موقف الطرفين وتتيح تسوية عملية بعيداً عن استمرار النزاع.

وخلال المناقشة، أوضحت مديرة الصفحة أنها لا تطالب العميل، بحسب ردها، سوى بتحمل مصاريف شحن المندوب، مشيرة إلى عدم توافر مقاس أصغر يمكن استبدال الجلباب به.

وبعد مناقشة تفاصيل الواقعة، اتفق الطرفان على إعادة الطلب إلى المندوب الذي سيأتي لاستلامه، مقابل خصم 200 جنيه من إجمالي قيمة المنتج البالغة 950 جنيها، على أن يسترد العميل مبلغ 750 جنيهاً نقداً.

وبذلك انتهت المناقشة إلى اتفاق محدد بين الطرفين، يمثل خطوة نحو تسوية الخلاف، ويؤكد أهمية إتاحة مساحة للحوار والاستماع إلى جميع الأطراف قبل إصدار الأحكام.

وتبرز هذه الواقعة أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الصحافة في نقل شكاوى المواطنين، والتواصل مع الجهات المعنية بها، ومحاولة تقريب وجهات النظر للوصول إلى حلول عملية، مع الحفاظ على حق جميع الأطراف في عرض رواياتهم.

كما تطرح تساؤلا مهما حول ضرورة توضيح سياسات البيع والتسليم والاسترجاع بصورة مسبقة، حتى لا يجد المستهلك نفسه أمام رسوم إضافية لم يكن على علم بها عند اتخاذ قرار الشراء.

تجربة ربيع محمد.. عندما تختلف الصور عن الواقع

ولا تقتصر تحديات الشراء عبر الإنترنت على المقاسات أو مصاريف الشحن، بل تمتد أحيانا إلى طبيعة المنتج ومصدره ومدى تطابقه مع الصور والإعلانات.

وتكشف تجربة الصحفي ربيع محمد، جانبا آخر من هذه الإشكالية؛ إذ شاهد صور ملابس قُدمت على أنها تركية، وقرر التوجه إلى عنوان حدده البائع على الطريق الدائري، ليكتشف أن المكان عبارة عن ورشة خياطة.

وعندما سأل البائع عن الملابس التركية التي شاهدها في الصور، جاءه الرد في صيغة ساخرة: «يا رجل خد جرب ده، ده أردوغان بنفسه مفصله ليك».

وقال ربيع إنه اشترى الملابس بعدما تعامل مع الموقف بخفة ظل، وإن جودة المنتجات كانت جيدة، لكنه لم يكرر تجربة الشراء، معتبرا أن الصدق في وصف السلعة ومصدرها لا يقل أهمية عن جودتها.

وتوضح التجربتان أن الثقة في التجارة الإلكترونية لا تُبنى على الصور الجذابة وحدها، وإنما تحتاج إلى معلومات دقيقة، وشروط واضحة، ووسائل تواصل فعالة، والتزام من البائع بما يعلنه للمستهلك.

صفحات البيع عبر «فيسبوك».. الثقة لا تقاس بعدد المتابعين

وفي سياق متصل، أشار محمود علي، أحد المتخصصين في تأسيس صفحات التجارة الإلكترونية على المنصات الرقمية، إلى أن بعض صفحات البيع تركز على تحقيق المبيعات والأرباح دون الاهتمام الكافي بخدمة ما بعد البيع أو الإلمام بقواعد حماية المستهلك.

وأوضح أن غياب مقر واضح أو بيانات تعريفية كافية عن القائمين على بعض الصفحات قد يصعب على العملاء الوصول إلى حلول عند نشوب خلاف، خاصة في الحالات التي يتعذر فيها التواصل مع البائع بعد إتمام المعاملة.

وشدد على أهمية تحري المستهلك الدقة قبل الشراء، وعدم الاكتفاء بصور المنتجات أو أعداد المتابعين، مع التحقق قدر الإمكان من بيانات البائع ووسائل التواصل وسياسات الاستبدال والاسترجاع.

وفي المقابل، لا يعني البيع عبر المنصات الرقمية وحده أن الصفحة وهمية أو أن القائمين عليها يرتكبون مخالفات؛ إذ يتطلب تقييم كل حالة التحقق من الوقائع والبيانات والأدلة المتاحة.

ماذا يقول القانون عن الاستبدال والاسترجاع؟

ينظم قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 حقوق المستهلك والتزامات الموردين، بما يشمل عددا من الضوابط المتعلقة بالبيع عن بُعد والاستبدال والاسترجاع.

وتختلف الحقوق والإجراءات بحسب طبيعة المعاملة وظروفها والاستثناءات القانونية المنطبقة عليها؛ لذلك لا يمكن اعتبار كل رسوم شحن مخالفة في حد ذاتها، كما لا يمكن افتراض أن مجرد إعلان البائع عن سياسة معينة يجعلها متوافقة تلقائيا مع القانون.

وتظل مسألة إبلاغ المستهلك بشروط البيع والتكاليف الإضافية قبل إتمام المعاملة، إلى جانب الالتزام بالقواعد القانونية المنظمة لحق الاسترجاع، من النقاط الأساسية التي ينبغي فحصها عند تقييم أي شكوى.

وينبغي للمستهلك الاحتفاظ بصور الإعلان والمحادثات والفاتورة أو إثبات الدفع، وأي مراسلات تتعلق بالاستلام أو الاستبدال أو الاسترجاع، مع إمكانية تقديم شكوى إلى جهاز حماية المستهلك عبر قنواته الرسمية لبحث الواقعة واتخاذ الإجراء المناسب.

من تسهيل الشراء إلى ضمان الحقوق

تكشف تجربتا عبدالله مفتاح وربيع محمد أن تحديات التجارة الإلكترونية لا ترتبط بالضرورة بوجود مشكلة واحدة، بل بمجموعة من التفاصيل التي قد تؤثر في تجربة المستهلك، بدءا من دقة وصف المنتج، مروراً بإجراءات المعاينة والتسليم، وصولا إلى وضوح تكاليف الاستبدال والاسترجاع.

كما توضح التسوية التي توصل إليها عبدالله مفتاح وصفحة «هودوم» بعد تدخل جريدة وموقع «اليوم» أن الحوار المباشر قد يفتح الطريق أمام حلول عملية، حتى عندما تختلف وجهات النظر بشأن المسؤولية عن المشكلة.

والتجارة الإلكترونية ليست المشكلة في حد ذاتها، بل إن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء سوق رقمية تقوم على الثقة والوضوح، بحيث لا يتحول الضغط على زر الشراء إلى بداية رحلة طويلة لاسترداد الحقوق، ويظل المستهلك قادرا على اتخاذ قراره وهو يعرف مسبقاً ما له وما عليه.

محمود حسن محمود، صحفي بقسم الأخبار والمتابعات- حاصل على بكالوريوس الإعلام من جامعة جنوب الوادي.

اترك رد