الصين والولايات المتحدة2… محاولات تسوية تعقدها ورقة تايوان

تقرير: مروة محي الدين

جزيرة تايوان… مصدر القلق المتنامي بين القوتين العظمتين في عالم اليوم، إذ يكثر التلويح بتحركات عسكرية لحسم أمرها، وبينما تعتبرها الصين جزء لا يتجزأ من أراضيها، يصر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على حماية استقلالها، مبديا استعداده للتحرك لمواجهة الصين، حال أقدمت على الاستيلاء عليها.

ومن هنا، كانت الجزيرة أحد أهم محاور مقابلته مع برنامج 60 دقيقة، وقد ركز على استعداده للتحرك لأجلها، في تهديد خفي، لم يمنعه اتفاق الشراكة بين بكين وواشنطن؛ لذا تستكمل عرض الحلقة الثانية من المناظرة الافتراضية بين الرئيس الأمريكي، والصحفية الصينية المتخصصة في الشأن الاقتصادي “سعاد باي شين هوا”، في تصريحات تفصيلية أدلت بها لموقع اليوم، فيما يتعلق بتايوان والتهديدات الأمنية والعلاقات الثنائية بين البلدين.

جزيرة تايوان

لأن تايوان نقطة الاشتعال المحتملة بين البلدين، أعاد “ترامب”- في المقابلة التليفزيونية- إحياء تصريح سابق “لترامب” قال فيه: إن الرئيس الصيني “شي جين بينج” لن يجرؤ على التحرك عسكرياً ضد تايوان، طالما بقي هو في منصبه؛ وقد عاود التأكيد على ذلك من جديد، وقال: إن زعيم الصين يفهم الرد على هذا الفعل إن أقدم عليه، دون أن يستبعد تحريك قواته للدفاع عن تايوان.

لكنه اعتبر خططه المُحتملة في هذا الصدد أسرار لا يمكن الكشف عنها، وفي الوقت ذاته كرر قوله: بأن الزعيم الصيني يعي جيدًا ما يترتب على تحركه، وأنه قال بالفعل لمقربين منه: إنه لن يقدم على فعل أي شيء طالما بقي “ترامب” رئيسًا، لأنه يعرف عواقب ذلك.

شأن داخلي صيني

تقول “سعاد” عن الجزيرة: “تايوان جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الصينية، فهي مقاطعة صينية، وفق اعتراف جميع الدول، التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وأعربت عن التزامها الصريح بمبدأ الصين الواحدة؛ أما سياسة الصين تجاه الجزيرة، فتبقى ثابتة على نهج إعادة التوحيد السلمي ودولة واحدة ونظامان، مع عدم تقديم أي تعهّد بالتخلي عن استخدام القوة، إذ تظل حماية السيادة الوطنية وسلامة الأراضي أمراً غير قابل للمساومة، وهذه السياسة ثابتة ومستقرة، ولا تتغير تحت أي ضغط خارجي، بما في ذلك الضغط الأمريكي، وهو ما يعكس ثبات الصين الاستراتيجي؛

وقد أكّد الرئيس الصيني شي جين بينج على تلك السياسة فقال: نحن على استعداد لبذل أقصى درجات الإخلاص، وأكبر قدر من الجهد، لتحقيق آفاق إعادة التوحيد السلمي للبلاد، لكن إذا قامت قوى الانفصال الساعية إلى ما يُسمّى استقلال تايوان، بالاستفزاز أو الضغط، أو تجاوزت الخط الأحمر، فلن نتردد في اتخاذ إجراءات حاسمة”.

وأضافت: “الضغوط الأمريكية لن تغيّر من تصميم الصين على صون وحدة البلاد، بل ستدفعها إلى تسريع خطواتها نحو تحقيق إعادة التوحيد، وقد أثبت التاريخ مراراً، أن محاولات القوى الخارجية التدخل في الشؤون الداخلية للصين محكومة بالفشل منذ بدايتها؛ ومن هنا يعتمد الحل النهائي لمسألة تايوان على إرادة الشعب الصيني بأسره، لا على ضغوط الولايات المتحدة. وهذا مبدأ راسخ تلتزم به الصين دائماً وستواصل التمسك به في كل ما يتعلق بمسألة تايوان”.

ورقة تايوان

استرسلت “سعاد” عن رفضه توضيح خططته المُحتملة لحماية الجزيرة، فقالت: “يرفض ترامب توضيح كيف ستتدخل الولايات المتحدة عسكرياً لحماية تايوان؟ وهذا الرفض لا يعني التخلّي عن التزامات قائمة، بل يعكس أسلوبه المعروف في الدبلوماسية القائمة على المقايضة، فهو لا ينظر إلى تايوان باعتبارها حليف يستوجب الحماية، بل يعدها أداة تفاوض قابلة للاستخدام بين واشنطن وبكين؛ وإبقاء الموقف غامضاً يمنحه مساحة واسعة للمساومة، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاقتصادية، دون أن يقيّد نفسه بأي التزام واضح”.

وأوضحت: أنه من الأساس، لا تمتلك واشنطن تعهداً قانونياً بالدفاع عن تايوان، فما يسمى بقانون العلاقات مع تايوان، لا يعدو أن يكون التزاماً بتزويدها بالأسلحة الدفاعية، بينما ظلّت سياسة الولايات المتحدة منذ عقود قائمة على الغموض الإستراتيجي نحوها؛ ومن هذه الزاوية، فإن موقف ترامب ليس خروجاً عن الخط التقليدي لبلاده، بل عودة إليه، بعدما اتجهت بعض الإدارات الأمريكية السابقة نحو خطاب أكثر وضوحاً”.

ولفتت إلى : أن “هذا الغموض يترك آثاراً مختلفة على الأطراف كافة: فالصين تنظر إليه كاستمرار لإستراتيجية استخدام تايوان لاحتوائها، لكنها في الوقت نفسه تعزز ثقتها بأن واشنطن ليست مستعدة للتورط المباشر، ما يدفعها إلى مزيد من الثبات على موقفها بشأن الوحدة؛ أمّا تايوان، فيزداد شعورها بأنها قد تتحول إلى ورقة مقايضة، ما يضعف ثقتها بالولايات المتحدة، ويدفعها إلى تقديم تنازلات اقتصادية وسياسية أكبر”.

وتابعت: “في المحصلة، يمثّل موقف ترامب محاولة لتعظيم المكاسب الأمريكية قصيرة الأجل، عبر إبقاء ملف تايوان مفتوحاً للمساومة، غير أن ذلك يضعف مصداقية واشنطن على المدى الطويل، ويسرّع تراجع فعالية ورقة تايوان في إدارة الصراع مع الصين، دافعًا بكين إلى مزيد من التصميم على دفع مسار الوحدة الوطنية”.

التهديد الأمني والعلاقة الثنائية

وحول التهديد الصيني للولايات المتحدة، بسعيها للتسلل إلى شبكات الكهرباء ونظم المياه الأمريكية، وسرقة المعلومات الشخصية، وشراء الأراضي الزراعية- حسبما أشارت المعلومات الاستخبارية، شدد “ترامب” على أنه يعاملها بالمثل فيهددها بذات الأساليب وفي نفس المناحي.

لا سيما حينما يتعلق الأمر بالصين والولايات المتحدة، وقال: “نحن نضع عيوننا عليهم مثلما يضعون عيونهم علينا، ومن هنا يكون من الأفضل أن ننسجم معا، خير من القضاء عليها اقتصادياً، وأعتقد أن كلانا سيكون أكبر وأفضل بالتعاون المشترك، حيث نقود العالم في مجالات مثل الرقائق والذكاء الاصطناعي”.

ومن هنا أوضح الرئيس الأمريكي، أن اتفاقه مع الصين يَصْب في مصلحة الولايات المتحدة بالكامل، دون وجود مانع لديه لاستفادة الصين منه، ما يراه محللون أنه بمثابة هدنة تكتيكية، بهدف تجميد الحرب التجارية، حيث يتضح من حديثه أنه يوفر فرصة لبلاده للبحث عن مصادر بديلة للمعادن النادرة خارج الصين، التي تهيمن على معالجة هذه المواد الحيوية.

مواطن توافق

مسارات التوافق التي يمكنها جمع البلدين، تحدثت عنها “سعاد” في خضم تصريحاتها، فقالت: “على الرغم من اشتداد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، ما زال أمامهما مجالات عدّة للتوصل إلى توافق، دون المساس بالمصالح الجوهرية، لتخلق ما يشبه منطقة الاستقرار داخل علاقة يسودها التوتر، وهذه المجالات لا تتعلق بالسيادة أو الهيمنة التكنولوجية، ولا تُثير حساسية سياسية داخلية، ما يجعلها الأكثر قابلية للتحقق”.

وفصلت تلك المجالات، فقالت: إنها تتمثل في “أ) تغيّر المناخ والطاقة النظيفة، فباعتبارهما أكبر مصدرين للانبعاثات في العالم، يمتلك البلدان قدرة واسعة للتعاون في خفض الانبعاثات ومعايير الطاقة المتجددة، الأمر الذي يحسّن صورتهما الدولية ويعزز الابتكار الصناعي؛ ب) إدارة المخاطر العسكرية، عبر خطوط اتصال ساخنة أو قواعد لمنع الاحتكاك البحري والجوي، فتتيح خفض احتمالات سوء التقدير دون أن تعني تقديم تنازلات سيادية.

جـ) الصحة العامة ومكافحة الأوبئة، يملك الطرفان مصلحة مشتركة، في تطوير نظم الإنذار المبكر وتنسيق الاستجابة، إضافة إلى التعاون في مكافحة المخدرات، خصوصاً المواد المرتبطة بالفنتانيل؛ د) تنظيم مخاطر الذكاء الاصطناعي، يعد مجالاً واعداً للتفاهم، من خلال وضع قواعد مشتركة للتجارب عالية الخطورة والتطبيقات العسكرية.

هـ) تيسير التجارة والتبادل الشعبي، يعد من أكثر المسارات واقعية، سواء عبر تحسين إجراءات الجمارك، أو زيادة الرحلات الجوية، أو توسيع منح التأشيرات للطلاب والباحثين”.

واختتمت حديثها قائلة: :بينما يستمر التنافس في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد، ما زالت هناك مساحات واسعة للتعاون في القضايا العابرة للحدود، بما يوفر هامش أمان، ضرورياً لاستقرار العلاقات الثنائية بين الصين والولايات المتحدة”.

اتفاق المعادن النادرة… هدنة أم إنهاء لحرب تجارية ممتدة لسنوات

الصين والولايات المتحدة1… منافسة الندين بعد أن أصبحا شريكين

 

اترك رد