مدير مستشفى التحرير بمجمع ناصر2/2: أناشد العالم إنقاذ 7000 مريض سكر تعجز المستشفيات عن احتجازهم

  • استغاثة أبرز الكوادر الطبية بخانيونس لإنقاذ مرضى السكر من العوز الدوائي وسرعة إجلاء المرضى 

دكتور “أحمد الفرا”:

  • 7000 مريض سكر بغزة “اتبهدلوا” بمنع الاحتلال إدخال الإنسولين

  • أصحاب مشكلات القلب الولادية بغزة يولدون لينتظروا وفاتهم

  • توفيت 2000 حالة بغزة بينما كانت في انتظار التحويل للخارج

  • فتح المعابر يخضع لإرادة الاحتلال وقد أعاد طفل يعاني تأثر مركز التنفس بجذع الدماغ من على المعبر

  • الكوادر الطبية بغزة تعاني الاحتراق الوظيفي ولدي زملاء سقطوا في الميدان وتوفوا بجلطات قلبية ودماغية بسبب ضغط العمل

  • غزة تقتل ويتفنن الاحتلال في اختراع آلات حديثة لذلك حتى الأجنة استهدفت داخل أرحام أمهاتهم

 

حوار: مروة محي الدين 

ارتفعت نداءات الاستغاثة التي أطلقها مسؤولي الرعاية الصحية بغزة في الأسابيع الأخيرة، بفعل تفاقم الأزمات الصحية التي لم تكن يومًا صغيرة أو عادية، وهو الباب الذي فتحناه مع الدكتور “أحمد الفرا”- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- في الحلقة السابقة من حواره الخاص لموقع اليوم.

ومن الإبادة الصحية لسوء التعذية في غزة، راح الطبيب المعايش للألم يكمل الرواية في تلك الحلقة ليعرض أزمة مرضى السكر باعتبارها نموذجًا لحال المصابين بالأمراض المزمنة، ثم أزمة إجلاء الحالات المرضية الصعبة لاستكمال العلاج بالخارج، منتهيًا بحالة الإنهاك التي أصابت القطاع الصحي بأكمله.

 

مرضى السكري

  • في مؤتمر صحفي تحدثت عن أزمة عاصفة بمرضى السكر، فما تفاصيلها؟ وما قوام المتأثرين بها من أهل غزة؟ 

هذا الموضوع مهم جدا حيث يمس 7000 مريض سكر قي القطاع، يعانون معاناة عنيفة حتى يصدق فيهم وصف “اتبهدلوا”، أولا: تمثلت معاناتهم في المجاعة: التي أجبرتهم على أكل آشياء غير صالحة لهم، إذ لم يكن لديهم أي طعام صحي متوازن، فدخلوا في حالة عدم انتظام للسكر في الدم؛ وثانيا: عانوا من انقطاع التيار الكهربائي، وعدم وجود ثلاجات لحفظ الإنسولين اللازم لهم.

وثالثا: كانت المعاناة الكبرى التي تمثلت في منع الاحتلال إدخال أقلام الإنسولين اللازم لإنقاذ حياتهم منذ سنة ونصف، ومريض السكري تكون مشكلته الأساسية في إنتاج هرمون الإنسولين، وبدونه يصبح هذا المريض كمن يسبح في بحر من الظلمات، فيكون الخوف عليه من غيبوبة سكرية أو (إحمضاض الدم- Diabetic Ketoacidosis DKA)، وثمة خوف من تأثير اضطراب سكر الدم على شبكية العين أو عصب العين أو التحصيل الدراسي لدى الأطفال منهم.

وتمثلت الفاتورة الباهظة التي دفعها هؤلاء الأطفال في منع دخول الانسولين، ومنع دخول أجهزة فحص السكر، ومنع دخول الشرائح اللازمة لأجهزة فحص السكر، وحتى أبسط الأشياء مثل: سرنجات الانسولين مُنِعَ دخولها؛ وأثناء المؤتمر الصحفي الذي أشرت له ثمة أم كانت تصرخ من الندوب التي ملأت يديّ ابنها بسبب عدم وجود المحاقن اللازمة لإعطاءه جرعة الإنسولين، حيث الإبر التي يتم تركيبها في قلم الإنسولين لضخ الجرعة غير متوفره، ومنها يستخدمون نفس السن الموجود لديها حتى ثَلِمَ فيصعب عليه اختراق الجلد، لذا يترك ندوبًا في جسد الطفل.

وجزء آخر من المعاناة العنيفة والرهيبة لهؤلاء الأطفال تمثل في احتياجهم لفحوصات معينة، مثل: قياس متوسط سكر الدم التراكمي في آخر ثلاثة شهور أو ما يطلق عليه (HbA1c) وهو غير متوفر في قطاع غزة؛ كما أن هناك شرائح أخرى من المرضى تعاني مثل: مرضى السرطان والفشل الكلوي ونقص المناعة، وكذلك مرضى القلب فأغلب أصحاب مشكلات القلب الولادية لديهم فرص ضئيلة في الحياة، في الوقت الذي يولد فيه أي طفل مثلهم في العالم فيحول إلى مراكز جراحة القلب ويعيش، إلا في قطاع غزة يولد لينتظر وفاته.

 

  • كنت قد تحدثت سابقا عن عجز في كميات الإنسولين، فأين وصلت مستويات توفره في القطاع الآن؟

الإنسولين الموجود بغزة هو الخاص بالمستشفيات فقط، وعلى الرغم من أنه لا يحافظ على سكر الدم بشكل جيد لكن المرضى أصبحوا يلجأون إليه،  ما دفع بسكر الدم لديهم إلى التأرجح بين الارتفاعات والانخفاضات؛ أما أقلام الإنسولين التي تمثل العلاج الأساسي أو الحديث لمرضى السكر فهي غير متوفرة ولم تدخل القطاع منذ عام ونصف، على الرغم من أنها ليست رفاهية فهي متوفرة في جميع أنحاء العالم، وقد اضطر الأهالي لاستخدام أقلام منتهية الصلاحية بحثا عن الحفاظ على صحة أبنائهم، فتعرضوا لاختلالات شديدة؛

ويجب أن لا ننسى أن هؤلاء الأطفال ما زالوا يفتقرون إلى الغذاء الصحي المناسب لهم، ولكِ أن تتخيلي قدر معاناة مرضى السكر في أي مكان في العالم وتقارنيه بحال أمثالهم في غزة في ظل تلك الظروف اللاإنسانية.

 

  • ألا توجد خطة طوارئ أو بديل لإنقاذ حياة المرضى في ظل تلك الظروف؟

بالطبع في تلك الظروف يجب أن ندخل عدد 7 آلاف مريض إلى المستشفيات وهو شيء خارج نطاق العقل، ومن هنا كان المطلب الذي أطلقته في المؤتمر الصحفي الأخير لكل من له قدرة على حل تلك الإشكالية من المؤسسات الدولية ورؤساء الدول العربية والدول المحيطة بفلسطين أن يتدخل لإنقاذ حياة أولئك الأطفال، فلا ذنب لهم سوى أنهم ولدول في قطاع غزة.

 

  • أليس ثمة بديل عن الإنسولين يمكن استخدامه؟

نعم ليس هناك بديل عنه بأي حال من الأحوال فهو هرمون الحياة.

 

  • ما معدلات الحالات الحرجة التي دخلت مجمع ناصر بسبب شح الإنسولين؟

المثال الذي أعطيه لكِ من واقع عملي أننا كنا نرى حالة (غيبوبة كيتونية- DKA) كل ستة شهور بالمستشفى، الأن تدخل قسم العناية المركزة بمجمع ناصر الطبي كل أسبوع حالة أو حالتين منها؛ كما يحتاج هؤلاء الأطفال (لتحليل غازات الدم- Arterial Blood Gases ABG) غير المتوفر في قطاع غزة، ليكون ذلك معاناة فوق معاناتهم.

 

  • مع النداءات التي أطلقتها لإنقاذ هؤلاء المرضى، هل لمست وجود أي استجابة؟

المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي متعاطف جدا مع أهل فلسطين لا سيما أهل غزة، لكن الفعل يخضع في النهاية لإرادة الاحتلال، وعلى سبيل المثال: لدينا مشكلة الأطفال المبتسرين الذين يحتاجون (لحضانات- Incubators)، وقد دمر الاحتلال معظمها من المستشفى الإماراتي في رفح إلى مستشفى أبو يوسف النجار وحيَّدَ المستشفى الأوروبي.

وبالتالي أضحى لدينا ازدحام شديد في الحضانات، فخاطبنا المؤسسات الدولية بحاجتنا لمزيد منها، وكان اليونيسيف أول من استجاب لندائنا بمحاول إدخال 60 حاضن للقطاع، لكن الاحتلال يمنع دخولها حتى هذه اللحظة، ومن هنا يخضع الفعل لمزاجية الاحتلال ومتى يسمح بدخول الحواضن.

 

  • إذًا كانت الاستجابة بالتعاطف دون قدرة على الفعل، أليس كذلك؟

نعم وهذا هو السيناريو الذي يحدث منذ بداية الحرب، فالحديث سهل لكن الفعل يجب أن يخضع لموافقة الاحتلال. 

 

التحويلات للخارج

 

  • أليس لأصحاب الأمراض التي تحتاج إلى علاج لفترات طويلة وتلك الحالات الطارئة أولوية مفترضة للسفر للعلاج بالخارج؟ 

ملف التحويلات للخارج معقد جدا، إذ نتحدث عن قرابة 21- 22 ألف حالة مسجلين للخروج من غزة لتلقي العلاج في بلاد أخرى، منهم 5800 طفل و 4800 حالة سرطان، جملة الحالات التي استطاعت الخروج 2000 حالة فقط منذ بداية الحرب.

وذلك على الرغم من أن 160 حالة من المسجلين للخروج (Life- threatening)، وهي الحالات المهددة بالوفاة حال لم تحول للعلاج بالخارج خلال 48- 72 ساعة، وهناك أيضاً (الحالات الحرجة- Emergency cases) وتبلغ حوالي 2220 حالة، كذلك توفيت 2000 حالة بينما كانت في انتظار التحويل للخارج.

 

  • وأين يكون تعقيد تلك التحويلات الملحة؟

المشكلة تحدث حينما تعد وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية قائمة بالحالات الحرجة جداً، وترسلها إلى الاحتلال للحصول على الموافقات الأمنية، فإذا به يعطي الموافقة للحالات غير الحرجة مثلاً، ويؤخر الموافقات للحالات الحرجة، وبالتالي تفارق أغلب الحالات الحرجة الحياة.

النقطة الثانية قد يتحرك للسفر وفد مثلاً من سبعين أو خمسين مريضًا- مثلما حدث منذ عدة أيام- فأعاد الاحتلال 72 حالة منهم وسمح بخروج ثلاث فقط، ومن ثم تشتد وطأة المعاناة مع خروج المرضى بالقطارة، فنحن نتحدث عن فتح معابر شكلي وليس فعلي، وخلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة لم يستطع أي مريض مغادرة القطاع لأن المعابر مغلقة أمام خروج الأفراد.

 

  • ألا تستطيع المنظمات الدولية الضغط على الاحتلال بأي وسيلة لإخراج المرضى؟

سأعطيك مثال- حدث منذ عدة أيام؛ طفل اسمه “سالم النجار”، سقط من الدور الثاني إلى الدور الأرضي إثر قصف منطقة قريبة من منزله، فأصيب برضوض شديدة في الدماغ ونزيف داخلها، وقد تلقى العلاج المتاح في مستشفيات غزة، لكنه في النهاية وصل إلى مرحلة تأثر مركز التنفس في جذع الدماغ- ما يطلق عليه Pons أو Brainstem- فأضحى لا يستطيع الاستغناء عن جهاز التنفس الصناعي، ويحتاج إلى خروج من القطاع بشكل ملح، لعل الأطباء في الخارج يتمكنوا من التوصل إلى حلول لم يستطع أطباء غزة تقديمها له.

وقد ناشد والده العالم كله لم يترك أحد إلا ناشده، وبالفعل تدخلت الكثير من المؤسسات الدولية، وبعد ثلاثة شهور من المعاناة منذ عدة أيام كنت قادم إلى المستشفى رأيته بينما يضعوه في سيارة الإسعاف ويرافقه فريق أجنبي تابع لمنظمة الصحة العالمية من الأطباء والتمريض، وكان لقاءً مؤثرًا وسلمنا على والده بينما كان يبكي، وتمنينا له الشفاء العاجل إن شاء الله، لنفاجأ عقب ساعة واحدة من تحركهم أن الجندي الإسرائيلي الموجود على معبر رفح أخبرهم أن يعودوا لأنهم أغلقوا المعبر…!

هذا أكبر مثال على ما أسفرت عنه مساعي الخروج، حالة في منتهى الخطورة لطفل على جهاز التنفس الصناعي يتم إعادته من المعبر بحجة إغلاقه، كأنهم يلعبون معنا لعبة العصا والجزرة؛ مرة أخرى نحن في النهاية نخضع لإرادة الاحتلال الإسرائيلي وأهوائه.

 

الاحتراق الوظيفي

  • ما النواقص الأخرى في الموارد الطبية التي تعوق تأدية القطاع الطبي لواجباته نحو شعب غزة؟

هناك أكثر من عامل هنا، أولها: استنفاذ الطواقم الطبية نفسها: على سبيل المثال أنا لم أحصل على إجازة منذ ثلاث سنوات، أمام نفس المشهد ونفس الوضع الصحي؛ ولما كان هذا حال كل العاملين أدى ذلك إلى ما يسمى الاحتراق الوظيفي- Exhaustion- لديهم، كذلك يشعر أغلبهم بالقلق على أهليهم وأولادهم في الخيام، فتجد الطبيب مثلا موجود في قسم الاستقبال والطوارئ وعقله مشغول على أهله أو ابنته التي خرجت لتلقي حصة مدرسية وقد تأتيها رصاصة من هنا أو قذيفة مدفعية من هناك، وعليه يكون الأثر النفسي- Psychosocial Trauma- على الطواقم الطبية قد بلغ مستويات صعبة للغاية.

وعلى جانب آخر، الطواقم مستنفذة في عدم قدرتها على الوصول للمستشفيات، فثمة أزمة في الوقود اللازم لحافلات نقل الموظفين لأماكن العمل، وأغلب العاملين وأنا واحد منهم- للأسف الشديد- نصل المستشفى مشيًا على الأقدام.

كذلك عدد الحالات التي تدخل المستشفيات يوميا يزيد الضغط على الطواقم الطبية،  فالطبيب بدلا من أن يتعامل مع سبعة أو ثمانية أطفال يتعامل مع عشرين أو ثلاثين طفلًا، ما يزيد الاحتراق الوظيفي عند هذا الطبيب؛ أيضا غياب الغذاء الصحي لدى الطواقم الطببية يؤثر على تركيزهم وصحتهم وحياتهم؛

ولدي أمثلة كثيرة لأطباء زملائي سقطوا في الميدان وتوفوا بجلطات قلبية ودماغية، منهم الدكتور “أسعد النواجحة”- رحمه الله- بينما كان على رأس عمله ومع الضغط وفي نهاية المناوبة الساعة السادسة صباحا شعر بصداع رهيب، فدخل قسم الاستقبال الذي اكتشف وجود جلطة دماغية لديه، فنقل إلى قسم العناية المركزة لكنه انتقل إلى رحمة الله هناك؛ ومن هنا الأطباء في غزة تحت ضغط جسدي ونفسي فظيع.

 

  • وكيف السبيل إلى تحريك المياه الراكدة في القطاع؟

لقد فقدنا الأمل في تدخل الضامنين والوسطاء لأن الاحتلال لا يلقي لهم بالًا، وعليه حل مشكلات قطاع غزة يتلخص في شيء واحد هو إنهاء الاحتلال.

 

  • وبالنسبة للقطاع الطبي كيف تتحرك مياهه الراكدة؟

لن تتحرك المياه الراكدة في القطاع الصحي إلا أيضا بانسحاب الاحتلال التام من غزة وفتح المعابر وعودة الحياة الطبيعية إليها.

وبنهاية الحديث اختتم الطبيب الشاهد على سجلات الضحايا تصريحاته برسالة قال فيها: “غزة تقتل بكل طريقة ممكنة، ويتفنن الاحتلال في اختراع آلات حديثة لهذه الجريمة المتمثلة في قتلها وأهلها، فما يحدث فيها ليس حوادث عابرة إنما مسلسل من العنف والاستهداف، بدأ قبل السابع من أكتوبر 2023 بكثير، إذ بدا منذ سنة 1967، فالمواطن فيها قد يقتل برصاصة قناصة أو بطائرة درون- مسيرة بدون طيار- وقد يقتل بقذيفة دبابة أو بالمجاعة كما شاهدنا أو بالحرمان من الدواء أو بعدم السماح له بالخروج خارج القطاع، حتى الأجنة داخل أرحام أمهاتهم لم يسلموا واستهدفوا داخل الأرحام، في وقت يتغنى فيه العالم بصحة الأم الحامل وصحة الطفل، الاحتلال يستخدم أقصى أنواع الأسلحة وأخطرها وأكثرها فتكًا في أجساد هشة وخيام مهترئة، ويتفنن في هذه الوسائل لمعاقبة أهل قطاع غزة وإجبارهم على الرحيل منها؛

ونعود ونقول أن هؤلاء ليسوا أرقاماً، هؤلاء لهم الحق في الحياة مثلهم مثل أهل أوكرانيا وأوروبا وأي منطقة في العالم، وحقهم في الحياة والخدمات الصحية والماء النظيف حق مقدس كفلته كل الدساتير والتشريعات الدولية”.

اترك رد