“القاعدة” تعود من الساحل.. لماذا تخشى الجزائر سقوط مالي مجددًا؟

تقرير: سمر صفي الدين

تقف منطقة الساحل الإفريقي اليوم على حافة انهيار أمني واسع، بعدما نجحت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في تحويل مساحات شاسعة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى مناطق نفوذ شبه مستقلة. مهددة بإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.

التنظيم المرتبط بـ”القاعدة” لم يعد مجرد لاعب مسلح محلي، بل بات يدير عمليات معقدة تتجاوز الحدود الوطنية. مستهدفًا شرايين الاقتصاد والبنية التحتية الحيوية. في وقت تعاني فيه حكومات الساحل من هشاشة مؤسسية وضعف في السيطرة الميدانية.

كما يحذر خبراء أمنيون من أن التحوّل الأخير في تكتيكات الجماعة، من حرب العصابات إلى استراتيجية الحصار والاختناق الاقتصادي. يمثل نقطة انعطاف قد تدفع المنطقة إلى موجة جديدة من الانهيارات السياسية والنزوح الجماعي. ما لم تتدخل قوى إقليمية ودولية لإعادة التوازن.

الجزائر: خط تماس مفتوح

لطالما حذرت الجزائر من أن ترك الأوضاع في منطقة الساحل تتفاقم دون تنسيق إقليمي فعال سيحول الجنوب الجزائري إلى خط تماس مفتوح مع التنظيمات المتطرفة.

ومع تصاعد الهجمات وتنامي نفوذ نصرة الإسلام والمسلمين. بدأت دوائر الأمن في الجزائر تتعامل مع التهديد كـ”خطر استراتيجي مباشر” لا كأزمة حدودية يمكن احتواؤها.

فالمعادلة الأمنية الجديدة  جعلت الجزائر أمام تحدٍ مزدوج: تأمين حدودها الطويلة مع مالي والنيجر من جهة. ومنع تمدد الفكر الجهادي داخل مناطقها الصحراوية الهشة من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، كثفت القوات الجزائرية من انتشارها العسكري على طول الشريط الحدودي. ونفذت عمليات تمشيط واسعة بالتنسيق مع وحدات الطيران الحربي والاستخبارات. تحسبًا لأي تسلل أو تحركات مشبوهة.

القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي

بالتوازي مع ما يجري في الميدان، قال اللواء محمد عبد الواحد، مستشار الأمن القومي والعلاقات الدولية، إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تعد واحدة من أخطر التنظيمات المسلحة في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

وأشار، في حديثه لـ “اليوم”، إلى أنها تأسست عام 2017 نتيجة اندماج أربع جماعات سلفية جهادية وعدد من الفصائل المحلية الصغيرة. لتعلن لاحقًا بيعتها لتنظيم القاعدة وتصبح جناحه الأبرز في منطقة الساحل تحت مظلة “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.

بينما أوضح أن الجماعة تلقت ضربات قاسية في عامي 2021 و2022. لكنها عادت إلى النشاط بقوة خلال عام 2025 مستغلة الفراغ الأمني الكبير الذي خلفه انسحاب القوات الفرنسية (قوة برخان) والأمريكية من مالي والنيجر. إضافة إلى مغادرة بعثة الأمم المتحدة التي كانت تضم نحو 15 ألف جندي. وهو ما فتح الباب أمام تمدد التنظيم من جديد.

كما أضاف أن “فيلق إفريقيا” الروسي – الذي خلف مجموعة فاغنر – لم يتمكن من ملء الفراغ الأمني الهائل بسبب المساحات الشاسعة وتعقيد التضاريس. الأمر الذي أتاح للتنظيم تنفيذ عمليات نوعية ومدروسة. تتجاوز الطابع الإرهابي التقليدي، نحو استراتيجية تهدف إلى خنق العواصم اقتصاديا وأمنيا.

مهاجمة شاحنات الوقود والأغذية

وعلى خلفية ذلك، بيّن اللواء عبد الواحد أن الجماعة تركز على استهداف الطرق الحيوية مثل RN1 وRN5 التي تربط مالي بدول الساحل والمحيط الأطلسي. إذ تقوم بمهاجمة صهاريج الوقود وشاحنات المواد الغذائية، ما تسبب في أزمات خانقة بالمحروقات والسلع الأساسية داخل مالي.

كما أشار إلى أنه بين مطلع سبتمبر ومنتصفه فقط، جرى حرق أكثر من 100 شاحنة وقود، بينها 40 شاحنة في هجوم واحد. إلى جانب ارتفاع معدلات خطف الشخصيات الأجنبية التي تدعم الحكومة الانتقالية في باماكو.

صراع الذهب واليورانيوم

وحول الأبعاد الجيوسياسية للأزمة، قال الخبير الأمني إن تصاعد العنف في الساحل مرتبط بصراع دولي أوسع بين القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ والموارد الطبيعية في المنطقة، لاسيما الذهب واليورانيوم.

كما أكد أن الضربات التي تستهدف مناجم الذهب “توجه في جزء منها ضد الوجود الروسي المتنامي في المنطقة”. الذي يعتمد على تجارة السلاح والمقايضة بالموارد. مشيرًا إلى أن الفوضى الحالية تعرقل أيضًا الطموحات الاقتصادية الصينية في مجالات النفط والتعدين في النيجر ومالي.

وختم اللواء عبد الواحد حديثه بالقول إن الولايات المتحدة وفرنسا لن تقبلا بخسارة نفوذهما في منطقة الساحل بهذه السرعة لصالح موسكو. موضحًا أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات استخباراتية ودبلوماسية مكثفة. وربما توظيفًا لبعض التيارات الإسلامية السياسية لإعادة رسم موازين القوى في واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *