تقرير: مروة محي الدين
في ظل انشغال روسيا بحربها طويلة الأمد مع أوكرانيا، راحت تركيا تبسط نفوذها تدريجيا في منطقة القوقاز وأسيا الوسطى، لتحيي القومية التركية عبر مشروع (العالم التركي- Turanism)، وهي الإستراتيجية طويلة المدى، الهادفة إلى ترسيخ وجودها باعتبارها قوة إقليمية محورية عظمى في المنطقة، وذلك عبر تعزيز تعاونها الشامل مع الدول الناطقة بالتركية، مثل: أذربيجان، كازاخستان، قيرجيزستان، أوزبكستان، وتركمانستان.
وذلك بالاعتماد على (منظمة الدول التركية- Organization of Turkish States – OTS)، في توحيد الرقعة الجغرافية والثقافية للشعوب الناطقة باللغات التركية، ما أثار مخاوف قوى كبرى ذات نفوذ إقليمي في تلك المنطقة، مثل روسيا والصين وإيران والاتحاد الأوروبي، من أن توسع النقود التركي يعني تقليص نفوذها فيها، ويهدد أمنها ومصالحها الجيوسياسية.
وحول هذا الموضوع قال الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي- في تصريحات خاصة لجريدة اليوم: “إن تركيا لديها آليات عدة لتفعيل تلك الإستراتيجية، حيث تبنى أنقرة شبكة تعاون أكثر تعقيداً، فيما تعد منظمة (الدول التركية- OTS) الهيكل الرسمي لها، وتتمثل تلك الشبكة في: المجلس التركي: وهو منصة برلمانية لتنسيق التشريعات، ومؤسسة الثقافة التركية: لتعزيز اللغة والتاريخ المشترك، وصندوق الاستثمار التركي: لتمويل المشروعات المشتركة، وقيادة القوات البرية للدول التركية الموحدة: ومقرها تركيا، وهي خطوة رمزية وعملية بالغة الأهمية نحو تكامل الدفاع المشترك”.
أوجه التعاون
تعزز أنقرة تعاونها مع الدول الناطقة بالتركية عبر اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف تحت مظلة المنظمة، وتركزة في ثلاثة محاور رئيسية، هي:
التعاون الاقتصادى
بهدف خلق كتلة اقتصادية مترابطة، وزيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة، اتجهت تركيا للعمل الاقتصادي مع تلك الدول في عدة مناحي، جاء على رأسها:
الطرق والممرات التجارية: حيث يمثل ممر زانجيزور محور ارتكازها في هذا الصدد، لما يمثله من من تحدٍ كبيرٍ لخطوط التقل الحالية، حيث يمر بجنوب أرمينيا، ويربط تركيا وأذربيجان ببقية دول آسيا الوسطى مباشرة عبر البر، متجاوزاً الممرات التقليدية التي تسيطر عليها إيران وروسيا.
ويقول “الألفي” عن هذا الطريق: “هو ليس مجرد ممر بري، بل مشروع جيوسياسي يغير خريطة القوة، حيث يفتح الطريق البري المباشر إلى كازاخستان وقيرجيزستان وأوزبكستان، بهدف تجاوز ممرات روسيا وإيران، وخلق طريق حريري تركي منافس لمبادرة الحزام والطريق الصينية، وتقليل تكاليف وزمن الشحن بين أوروبا والصين، بنسبة 50% مقارنة بالطرق البحرية.
الطاقة والموارد: حيث تعد دول دول آسيا الوسطى- كازاخستان وتركمانستان- مصدراً مهماً للغاز والنفط، ما يحقق هدف أنقرة من تنويع مصادر الطاقة، وتحولها إلى مركز إقليمي لها، يجعل أراضيها ممر عبورها الرئيسي لأوروبا.
وقد لفت خبير الاقتصاد السياسي إلى أنه: “بتحول تركيا من مجرد مستهلك أو ممر للطاقة، إلى مركز تجاري وسياسي، سيجعلها تتحكم في تدفقات الغاز من بحر قزوين ووسط آسيا إلى أوروبا؛ وذلك عبر مشروعات تمثل النموذج الأولي، مثل: خط أنابيب الغاز الطبيعي عبر الأناضول (TANAP) وخط أنابيب الغاز العابر للبحر الأدرياتيكي(TAP)؛ لتكون خطوتها الثانية (مشروع خط نقل غاز قزوين- Trans-Caspian Pipeline)، الذ يجذب غاز تركمانستان عبر بحر قزوين، وقد تعثر لعقود بفعل المعارضة الروسية”.
التجارة والاستثمار: حيث تستهدف زيادة الاستثمارات التركية المباشرة في المناحي الحيوية، ساعية لإبرام اتفاقيات تجارة حرة مع تلك الدول.
ووفقًا لرؤية خبير الاقتصاد السياسي: “تسعى تركيا لخلق تبعية اقتصادية لها، عبر رفع حجم التبادل التجاري مع الدول الناطقة باللغات التركية إلى ما يربو على 100 مليار دولار؛ والاستثمارات المباشرة في القطاعات الإستراتيجية، مثل: البنية التحتية- المطارات والموانئ، والاتصالات، والصناعات الدفاعية؛ ما يخلق في النهاية شبكة مصالح اقتصادية تركية راسخة”.
التعاون العسكري والأمني
الجانب الذي أثار تخوفات دول وتحالفات كبرى من هذا التوجه التركي، هو فتح باب التعاون العسكري والأمني مع دول المنظمة، في عدة جوانب من بينهما: الصناعات الدفاعية: حيث جعلت تركيا من هذه الدول سوقًا رائجًا لصناعاتها العسكرية، لا سيما طائراتها المسيرة، مثل: المسيرة (بيرقدار- TB2)، التي أثبتت فعاليتها في الصراع الأذربيجاني-الأرمني؛ والتدريب والمناورات: فنظمت مناورات عسكرية مشتركة، وعززت التعاون في مجالات التدريب العسكري، وتبادل الخبرات الأمنية؛ والتوحيد القياسي: حيث تعمل على توحيد بعض المعايير العسكرية والتقنية بين جيوش الدول الأعضاء.
وفي ذلك السياق، أشار الألفي إلى أن “الهدف الرئيسي لهذا التعاون هو بناء قوة ردع مشتركة”، وتابع مشيرا إلى الجوانب التي تجلى فيها ذلك التعاون، فقال: “في إطار نقل التكنولوجيا العسكرية إلى تلك الدول، كان نجاح المسيرة (بيرقدار- TB2) في ناجورنو قره باج وأوكرانيا بمثابة إعلان تسويقي عالمي للصناعات الدفاعية التركية، كذلك امتدت جسور التعاون إلى تحول دول، مثل: كازاخستان وأوزبكستان وقيرجيزستان، من عملاء مشترين لها، إلى شركاء في التطوير والإنتاج المشترك، ما يخلق نظاماً دفاعياً متوافقاً تقنياً مع النظم التركية، مما يعمق الاعتماد الأمني على أنقرة، ويقلل الاعتماد على روسيا”.
وأضاف: “أما عن التدريبات المشتركة والمناورات: فتستهدف توحيد العقيدة القتالية، وخلق لغة عسكرية مشتركة بين ضباط وجنود هذه الدول، وكانت مناورات الذئاب التركية أهم أمثلة تلك المناورات؛ بما يضعف هيمنة منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا تدريجيًا، إذ تمنح الدول الأعضاء بديلاً أمنياً”.
وتابع: “وتأتي مكافحة الإرهاب أهم أوجه التعاون بين تلك الدول، في تبادل المعلومات الاستخباراتية لمطاردة الجماعات الإرهابية، بما يمنح تلك الدول أداة قمعية إضافية، حيث يستخدم هذا المصطلح ذريعة لقمع المعارضين السياسيين في الخارج”.
التعاون السياسي والثقافي
عملت أنقرة على تعزيز الهوية التركية المشتركة، وتوحيد المواقف الإقليمية والدولية، من خلال: المنظمة المؤسسية للتعاون، وتعقد قممًا دورية لتنسيق السياسات الخارجية المشتركة؛ والقوة الناعمة: إذ تستخدام وكالات، مثل: تيكا- TIKA، للتعاون والتنمية والترويج للثقافة التركية، وتقديم المنح التعليمية، وترميم الآثار التاريخية المشتركة؛ والدعم الدبلوماسي: حيث تقدم الدعم القوي لمواقف الدول الأعضاء، مثل الدعم التركي لأذربيجان في حرب ناجورنو قره باج.
“تركيا تصيغ هوية وموقف موحد” هكذا عبر “الألفي” عن رؤيته للتحرك التركي في هذا الإطار، واستطرد: “بدأت تركيا في التبديل الأبجدي، بما يحمله من رمزية عميقة لتنتقل أوزبكستان وأذربيجان وغيرها من الأبجدية السيريلية- من التراث الروسي، إلى اللاتينية- من أجل التقارب التركي، ما يعد تغيرًا إستراتيجيًا، يقطع الصلة مع موسكو متوجها إلى أنقرة؛
وعملت على غرس الولاء المستقبلي، باستخدام وكالة تيكا ذراعًا تنمويًا، ثم جذبت آلاف الطلاب من آسيا الوسطى للدراسة في تركيا، عبر برنامج المنح التركية، لضمان ولاء الأجيال القادمة لهذا التوجه، عبر خلق نخبة جديدة موالية للأيديولوجيا والسياسات التركية؛
وعلى مستوى الدبلوماسية الموحدة، راحت تلك دول المنظمة تتحدث بصوت واحد، في قضايا مثل: قره باج وشينجيانج، ما يعزز الوزن الدولي لأنقرة، بعد امتلاكها قوة تصويتية جماعية”.
وهكذا تسير تركيا بخطوات ثابتة لبناء اتحادية تركية كبرى، تنافس تحالفات عظمى طالما عملت دون منافس، ما يلقي بظلاله على تغير المعطيات الجيوسياسية، ليس فقط في القوقاز وأسيا الوسطي، بل ربما في العالم كله، وعلى الرغم من قلق بعض الدول الكبرى من ذلك، إلا أن سياسة النفس الطويل لأنقرة قد تبلغها مقصدها بأسرع من التصورات.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
