دبلوماسي بالأمم المتحدة: التغير المناخي يحوّل الأخطاء البشرية لحرائق هائلة
تقرير: مروة محي الدين
تونس التي التصق بها غطائها النباتي عبر تاريخها الطويل مكسبها لقبها “تونس الخضراء”، حيث مثل هذا الغطاء الزراعي وخصوبتها ثروتها وإرثها التاريخي، فبدأت نهضة زراعية هائلة منذ العهد الفينيقي وخلال الحقبة الرومانية، وكانت تُعرف بخصوبة أرضها ومزارعها الشاسعة، لا سيما شمال البلاد ومناطق حوض نهر مجردة، ما جعل منها سلة غذاء روما ومصدر تزويدها بالحبوب والقمح والزيتون.
وذلك بخلاف ثروتها الشجرية والغابية التي تمثل جزءًا مهما من غطائها النباتي دائم الخضرة على مدار العام، فتضم الملايين من أشجار الزيتون، التي تغطي مساحات شاسعة من شمالها إلى وسطها، والغابات الغنية بأشجار الصنوبر والبلوط والفلين في ولايات الشمال الغربي مثل: جندوبة، وباجة، والكاف؛ وذلك بفعل مناخها الرطب المعتدل لا سيما شمال البلاد الذي يتوفر فيه معدلات جيدة من الأمطار طوال العام تقريبا.
اليوم تقلب على أراضيها ركام من الرماد الأسود، حيث أُحيل 4,400 هكتار إلى ركام من الفحم والرماد، مقارنة بنحو 2,705 هكتار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وكأن المناخ تآمر عليها لتغيير طباعها والقضاء على طبيعتها.

وفي تصريحات خاصة لموقع اليوم، عزى الدكتور “يونس أبو أيوب”- رئيس إدارة الشرق الأوسط وإفريقيا لشؤون الحوكمة وبناء موسسات الدولة بالامم المتحدة والمحاضر في علم الاجتماع السياسي- أسباب اتساع رقعة الحرائق إلى “تداخل عاملين رئيسيين: الأول: الظروف المناخية القاسية: حيث تعاني منطقة البحر المتوسط من احترار أسرع من المعدل العالمي؛ وهذا العام، تزامنت موجة حرّ قياسية- قاربت على 50 درجة مئوية- مع هبوب رياح (الشهيلي) الحارة والجافة، ما حوّل الغطاء النباتي الكثيف إلى وقود سريع الاشتعال وخلق ظروفاً مثالية لحرائق الجيل السادس أو الحرائق العملاقة، التي تتجاوز قدرات الإطفاء التقليدية؛ والثاني: ضعف الاستعداد المؤسساتي والوقاية البنيوية: إذ كشفت الأزمة عن اختلالات هيكلية، مثل النقص الحاد في عدد حراس الغابات- حوالي 4000 عون فقط مقابل 14 ألف سابقاً، أي بمعدل عون واحد لكل ألف هكتار- وتقادم المعدات، وضعف آليات المراقبة والإنذار المبكر”.
خسائر الحرائق
ارتفعت التوقعات حول حجم الخسائر في البلاد، فرجحت وصول المساحات المتضررة إلى 5,000 هكتار من الغطاء النباتي والغابات المتوسطية، مثل: أشجار الصنوبر الحلبي والعرعار، بخلاف خسائر الممتلكات والمحاصيل الزراعية دون تسجيل خسائر بشرية كبيرة.
وحسب المعلومات المتداولة، تركزت الأضرار في المرتفعات والغابات الشمالية والغربية، مثل: جبال الكاف، وجندوبة، ونابل، وزغوان، لتلتهم النيران أشجار الصنوبر الحلبي، والعرعار، والنباتات الشجيرية المتوسطية، وأتلفت مساحات من الأشجار المثمرة والأعلاف وألواح الفحم.
ولم تنج الممتلكات والمنازل القريبة من مواقع الحرائق من الخسائر المادية، بفعل خطوط النار في القرى المتاخمة للغابات، مثل: منازل في ولاية جندوبة والمعتمديات المجاورة، وأدت ألسنة اللهب إلى نفوق أعداد من الماشية والدواجن، كما تضررت خطوط الشبكة الكهربائية والمياة جراء الضغط العالي والحرارة.
وقدر “أبو أيوب” حجم الخسائر الحقيقية للبلاد من الحرائق في تصريحاته فقال: “الأرقام الرسمية التي تتحدث عن احتراق 4400 هكتار بزيادة 63% عن العام الماضي تعبر عن حجم الخسائر المباشرة للغطاء الغابي، لكنها لا تُقدّر حجم الكارثة البيئية والاقتصادية بالكامل، التي ربما تكون أكبر بكثير؛
فالخسائر غير المباشرة تشمل خسائر بيئية من تدمير موائل الحياة البرية، وفقدان التنوع البيولوجي، وتدهور التربة، وانبعاث كميات هائلة من الغازات الدفيئة التي تزيد من الاحترار العالمي، والحاجة لعقود لاستعادة التوازن البيئي للغابات المتضررة، وذلك بخلاف الخسائر الاقتصادية والاجتماعية من إتلاف المحاصيل الزراعية، ونفوق الحيوانات، وتدمير خلايا النحل ومصادر رزق السكان المحليين الذين يعتمدون على الغابات”.
ثغرة الاستجابة
الخسائر الكبيرة كشفت عن ثغرة فنية كبيرة في نظام الاستجابة للحرائق في تونس كما لفت “أبو أيوب” لذلك في معرض حديثه عن حجم الخسائر، تمثلت في نقص الآلات الثقيلة اللازمة لعزل الحرائق، وتهالك شبكات الاتصالات اللاسلكية لفرق الحماية والغابات، ومحدودية الإمكانيات الجوية المخصصة لإطفاء البؤر المشتعلة بقمم الجبال.
وقد فصل “أبو أيوب” ثغرة خطة الاستجابة للأزمة في تصريحاته، قائلًا: “تكمن الثغرة الأساسية في ضعف المنظومة الوقائية والاستباقية، التي تتركز في شح الموارد البشرية واللوجستية، مثل: انخفاض عدد أعوان الغابات بشكل كبير، وعدم كفاية الآليات الثقيلة مثل الجرافات وشاحنات الإطفاء التي يعود تاريخ معظمها للقدم، وغياب أليات الإنذار المبكر الفعال، والاعتماد على التدخل بعد اندلاع الحرائق بدلاً من نظام الرصد الاستباقي باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وكذلك المسالك الواقية غير المهيأة، التي تتمثل في نقص صيانة المسالك الغابية وخطوط قطع النار، ما أعاق وصول فرق الإطفاء إلى البؤر النائية؛
هذه النقائص تجعل قدرات الدفاع المدني والإطفاء الجوي تحت ضغط شديد، على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة المشهود لها، بما يجعل الضغط أكبر منها فور اندلاع أول موجة حر قاسية، لا سيما مع صعوبة وصول الفرق للمناطق الجبلية الوعرة”.
محاولات تخريبية
تجسدت المفارقة في حرائق، هذا العام، في تفسير بعض مسؤولي الحماية المدنية لاندلاع الحرائق وتوسعها في أوقات متأخرة من الليل، وفي نقاط جغرافية متباعدة في وقت واحد، بأنها تثير الشكوك الأمنية في حدوثها بفعل فاعل، حيث الشمس الحارقة التي تمثل العامل الطبيعي لفعل ذلك لا تكون موجودة، وأكد تلك التصريحات إعلان السلطات التونسية فتح تحقيقات في الحدث، وإيقاف مشبه بهم رصدت محاولات إضرامهم النيران في بعض المناطق الغابية والمزارع.
وفي ذلك يرى “أبو أيوب” أنه لا يمكن الفصل بين اليد البشرية المتسببة في اندلاع الحريق، والعامل المناخي الذي ساهم في انتشاره، حيث أنهما عاملان متداخلان، فقال: “التغير المناخي هو المُضاعِف الأساسي، حيث يُجمع الخبراء على أن التغير المناخي هو العامل المركزي الذي يخلق الظروف القاسية- الحرارة والجفاف والرياح، التي تجعل الغابات قابلة للاشتعال بدرجة كبيرة، وتُسرّع من انتشار أي شرارة إلى حريق هائل لا يمكن السيطرة عليه بسهولة؛
أما العامل البشري فهو المُشعِل حيث تشير السلطات إلى أن العامل البشري هو السبب المباشر لانطلاق معظم الحرائق، سواء من خلال أفعال إجرامية متعمدة أو بسبب الإهمال مثل: حرق المخلفات الزراعية أو رمي أعقاب السجائر؛ ففي ظل الظروف المناخية الاستثنائية، أي شرارة بشرية مهما كانت صغيرة كافية لإشعال كارثة”.
وخلص إلى أن “التغير المناخي هو ما يحوّل الأخطاء أو الهشاشة البنيوية والأفعال البشرية الفردية إلى حرائق هائلة ومدمرة”.
السيطرة على الحرائق
أعلنت فرق الحماية المدنية تسجيل أكثر من 900- 1300 بؤرة حريق، في 72 ساعة مثلت ذروة موجة الحر، وتجاوزت فيها درجات الحرارة حاجز 49 درجة مئوية، وقد تمكنت فرق الدفاع المدني مؤخرا من السيطرة على غالبية ألسنة اللهب في المناطق الجبلية الغابية، خاصة في محافظة الكاف- جبل الطويلة، وولاية نابل- جبل دلاج بمعتمدية تاكلسة، وذلك بعد التعاون مع وحدات الجيش ودائرة الغابات.
وبينما كانت جهود الإطفاء الجوي هي بطل تلك المعركة، بعد تعاون القوات المسلحة ودوّل الجوار، ساهمت الأمطار المفاجئة في بعض المناطق في تقليص مساحة ألسنة اللهب المشتعلة؛ وما زالت جهود تبريد البؤر النارية والجيوب المشتعلة لمنع تجدد النيران بفعل الرياح، مع تأمين التجمعات السكنية والمزارع القريبة من خطوط النار.
واختتم “أبو أيوب” تصريحاته بالحديث عن سبل تلافي الخسائر مستقبلاً، فقال: “في المستقبل، يجب الانتقال من الإطفاء إلى الإدارة الشاملة للمخاطر على الصعيد المؤسساتي والبنيوي، عبر الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة باستخدام الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، وإدارة الغطاء النباتي بإزالة الأعشاب الجافة وإنشاء المصدات، وإشراك المجتمعات المحلية في الحماية؛
وكذلك تعزيز التعاون الإقليمي، نظراً لأن المخاطر المناخية لا تعترف بالحدود، وعليه أضحى تبادل البيانات والخبرات بين دول المنطقة، والاستثمار المشترك في الإدارة المستدامة للغابات ضرورة ملحة؛ وأخيرًا يجب توفير التعويضات العاجلة للمتضررين، لدعم قدرتهم على الصمود وإعادة بناء موارد رزقهم”.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم