تقرير: سمر صفي الدين
تمثل صفقة “الكعكة الصفراء” تحولاً استراتيجيًا في توجهات المجلس العسكري بالنيجر لإعادة صياغة تحالفاته بعيدًا عن النفوذ الفرنسي، بعدما كشفت تقارير فرنسية عن اتفاق مبدئي مع شركة “روساتوم” الروسية بقيمة تقارب 170 مليون دولار، لنقل نحو 1400 طن من اليورانيوم المركز من منجم أرليت إلى روسيا عبر ميناء لومي في توغو.
وتعد “الكعكة الصفراء” مسحوقًا مركزًا من أكسيد اليورانيوم غير القابل للذوبان في الماء، ويمثل المرحلة الأساسية قبل تحويله إلى وقود أو مواد تدخل في الصناعات النووية، ما يمنح الصفقة بعدًا استراتيجيًا يتجاوز قيمتها التجارية.
هذه الخطوة تأتي بعد إنهاء السلطات الانتقالية تعاونها العسكري والاقتصادي مع فرنسا خلال عامي 2023 و2024، في إطار سياسة تستهدف إعادة توزيع الشراكات الدولية والانفتاح على موسكو باعتبارها شريكًا سياسيًا واقتصاديًا بديلًا.
وتسعى نيامي إلى توظيف مواردها الطبيعية لمواجهة أزمة مالية متفاقمة منذ انقلاب يوليو 2023، بعدما تراجعت الإيرادات واشتدت الضغوط الاقتصادية والعقوبات الإقليمية، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن مشترين لمخزون أرليت، بعدما تعثرت محادثات سابقة مع الصين وإيران، بينما تقدمت المفاوضات مع الجانب الروسي بوتيرة أسرع.
هواجس مسار نقل اليورانيوم
غير أن الصفقة تواجه عقبات قانونية وأمنية معقدة، إذ لا يزال النزاع قائمًا بين الحكومة النيجرية وشركة “أورانو” الفرنسية حول ملكية نحو 1400 طن من “الكعكة الصفراء”، التي تقدر قيمتها السوقية بنحو 250 مليون يورو.
كما أصدرت المحكمة التابعة للمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار حكمًا يقضي بعدم بيع أو نقل أي جزء من المخزون إلى أطراف ثالثة لحين حسم النزاع، ما يفتح الباب أمام مواجهة قانونية قد تعطل تنفيذ الاتفاق.
وفي المقابل، تثير عملية نقل الشحنة مخاوف أمنية متزايدة، إذ يمر المسار البري المقترح عبر بوركينا فاسو وصولًا إلى ميناء لومي في توغو، وهو ممر يخترق واحدة من أكثر مناطق الساحل اضطرابًا، حيث تنشط جماعات مرتبطة بتنظيمي “داعش” و”القاعدة”، فضلاً عن شبكات الجريمة المنظمة وتهريب الأسلحة.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن تأمين القافلة سيمثل تحديًا استثنائيًا، رغم الحديث عن استعدادات روسية لتوفير حماية متعددة المستويات تشمل قوات برية وطائرات مسيرة وأقمارًا صناعية للمراقبة. إلا أن طول خط الإمداد واتساع رقعة التهديدات يضاعفان احتمالات استهداف الشحنة أو تعرضها لمحاولات سرقة وتهريب، وهو ما يثير قلقًا متزايدًا في باريس وعواصم أوروبية، التي تنظر إلى الصفقة باعتبارها حلقة جديدة في تمدد النفوذ الروسي داخل الساحل الإفريقي، على حساب المصالح الفرنسية والغربية التقليدية.
خطر تصدير اليورانيوم
في هذا السياق، يؤكد اللواء محمد عبدالواحد، الخبير في الشؤون الأمنية، في تصريحات خاصة لـ”اليوم”، أن الخطر لا يكمن في طبيعة “الكعكة الصفراء” ذاتها، إذ إن اليورانيوم الطبيعي لا يعد مادة جاهزة لصناعة الأسلحة النووية، لكنه قد يُستخدم نظريًا في تصنيع ما يعرف بـ”القنبلة القذرة” إذا وقع في أيدي جماعات متطرفة، مع استبعاد هذا السيناريو بسبب الإجراءات الأمنية المشددة المتوقع فرضها على عملية النقل.
ويرى اللواء عبدالواحد أن الشحنة، التي ستعبر أحد أكثر الممرات اضطرابًا في منطقة الساحل، لن تتحرك دون منظومة حماية متعددة المستويات تشمل الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والقوات البرية، خاصة أن الطريق الممتد من شمال النيجر مرورًا ببوركينا فاسو وصولاً إلى ميناء لومي في توغو يمر بمناطق تنشط فيها جماعات مرتبطة بتنظيمي “داعش” و”القاعدة”، إلى جانب شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
كما يضيف أن قدرة النيجر على تنفيذ الصفقة لا ترتبط فقط بامتلاك مخزون اليورانيوم، وإنما بقدرتها على تأمين خطوط النقل وإدارة المخاطر الأمنية عبر الحدود المتداخلة، وهو ما يجعل نجاح العملية اختبارًا حقيقيًا لقدرة السلطات الانتقالية وشركائها الجدد على فرض السيطرة في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة أمنيًا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم