بجاحة إسرائيلية.. إفريقيا تقول كلمتها وقاعة مانديلا تلفظ ممثل الاحتلال

في حادثة وصفت بأنها رسالة سياسية قوية، شهد مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، الإثنين 7 أبريل 2025، طرد السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نغوسي، من قاعة “مانديلا” أثناء مشاركته المفاجئة في الاجتماع السنوي لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية في رواندا، التي وقعت عام 1994.

الحادث، الذي أثار ردود فعل غاضبة من تل أبيب، حمل أبعاداً تتجاوز البُعد الدبلوماسي العادي، ليكشف تناقضاً فجّاً في السياسة الإسرائيلية، وصفه محللون بـ”التبجح السياسي”.

قاعة مانديلا.. رمز التحرر 

الاجتماع الذي حضرته وفود من معظم الدول الأفريقية، توقف بشكل مؤقت بعد اعتراضات واسعة على مشاركة ممثل إسرائيل، ليطلب من السفير مغادرة القاعة في مشهد وصفته وسائل إعلام عبرية بـ”المهين والمذل”، فيما وصفت تقارير صحفية الواقعة بأنها مثال على “رفض جماعي لا لبس فيه” من قبل قادة القارة.

وبحسب الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، ربيع أبو زامل، فإن المفارقة الكبرى تكمن في المكان والزمان. وقال في تصريحات خاصة لـ”اليوم“: “أن يطرَد ممثل الاحتلال الإسرائيلي من قاعة نيلسون مانديلا بالذات، القاعة التي تحمل اسم رمز النضال والتحرر الإفريقي والعالمي ضد الفصل العنصري، هو تصرف رمزي بالغ الدلالة. لا يمكن أن تقبل القارة، التي حاربت العنصرية لعقود، باستضافة من يُمارس اليوم سياسة تمييز وإبادة ضد الشعب الفلسطيني.”

اقرأ أيضًا:: تصعيد جديد لجنوب إفريقيا.. لماذا يقف أحفاد مانديلا مع غزة؟

إبادة تُرتكَب.. بينما إسرائيل تُحيي ذكرى إبادة!

التناقض الأكبر، كما أشار إليه أبو زامل، كان في “بجاحة” مشاركة إسرائيل في مناسبة لإحياء ذكرى الإبادة في رواندا، في حين تُتهم دوليًا – وأمام محكمة العدل الدولية – بارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

حيث قال:”ما تقوم به إسرائيل في غزة اليوم هو جريمة إبادة موثّقة، تُرتكب على الهواء مباشرة، بينما تأتي في توقيت بالغ الوقاحة لتشارك في مناسبة إنسانية عن الإبادة، هذا ليس فقط استخفافاً بالمناسبة، بل محاولة فاضحة لتلميع صورتها وسط بحر من الدم الفلسطيني.”

وأشار أبو زامل إلى أن سلوك تل أبيب لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل محاولة لاختراق الوعي الجمعي الإفريقي واللعب على مشاعر التضامن مع ضحايا الإبادة، في وقت تخسر فيه إسرائيل بشكل متسارع رصيدها السياسي في القارة نتيجة ممارساتها في الأراضي المحتلة.

رفض إفريقي يتنامى: من مانديلا إلى غزة

وزارة الخارجية الإسرائيلية وصفت الحادث بـ”الفظيع وغير المقبول”، واتهمت الاتحاد الإفريقي بـ”الجهل بتاريخ الشعبين اليهودي والرواندي”، في إشارة إلى رغبتها في المقارنة بين الهولوكوست والإبادة في رواندا.

لكن الرد العملي من الدول الأعضاء، بحسب مراقبين، أعاد تأكيد الموقف التاريخي لأفريقيا الرافض للاحتلال والتطبيع، وهو موقف تجسّد في دعم منظمة التحرير الفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي.

وأكد أبو زامل أن الطرد لا يأتي في سياق دبلوماسي معزول، بل ضمن سلسلة من المواقف التي تبنتها دول مثل جنوب إفريقيا، والتي قادت مساعي محاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

وتابع: “نحن أمام صحوة إفريقية متزايدة ضد محاولات الاحتلال اختراق القارة. الشعوب الإفريقية تملك ذاكرة حية، ولا يمكنها القبول بعودة استعمار جديد مهما كان لونه، ولو جاء مموهاً بالاستثمارات أو التكنولوجيا.”

إسرائيل والمراقب المرفوض

وكانت إسرائيل قد حصلت على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي عام 2021، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، وانتهت لاحقاً بتجميد عضويتها نتيجة اعتراض دول مركزية على رأسها الجزائر وجنوب إفريقيا.

ويرى أبو زامل أن مشاركة إسرائيل في أي مناسبة رسمية في الاتحاد اليوم تمثل “خرقاً صريحاً لقرارات سابقة”، ما يستدعي – برأيه – تحركاً جماعياً داخل الاتحاد لإغلاق هذا الباب بشكل نهائي.

صدمة تل أبيب وبداية تحول

الحادثة، وإن بدت رمزية، إلا أنها تؤشر لتحول عميق في المزاج الإفريقي الرسمي تجاه إسرائيل، التي تحاول إعادة إنتاج نفوذها في القارة عبر “الاستعمار الناعم” كما يسميه أبو زامل، مستخدمة أدوات المال والتكنولوجيا.

لكن، وكما يقول الباحث: “الرسالة من قاعة مانديلا كانت واضحة: القارة التي حاربت الفصل العنصري لن ترحب بمن يمارسه اليوم ضد شعب أعزل.”

بهذا الطرد، يكون الاتحاد الأفريقي قد رسم مجدداً خطاً أحمر في وجه التطبيع، وأعاد التأكيد على التزامه التاريخي بقضية فلسطين، كجزء من مسيرته في دعم قضايا التحرر والعدالة عبر العالم.

 

اترك رد