بعد عام من سرقة أسورة المتحف المصري بالتحرير، تبقى الحقيقة الأبرز أن الأسورة نفسها لم تعد إلى خزائن المتحف فقد انتهت، ولم تعد القطعة الأثرية إلى صورتها التي كانت عليها قبل السرقة، لم تعد القضية مجرد واقعة اختفاء قطعة من إحدى خزائن المتحف، بل تحولت إلى ملف جنائي وقضائي كشف عن ثغرات في منظومة تداول القطع الأثرية وتأمينها وانتهت بإصدار أحكام بالسجن المشدد ثم تأييد أحدها أمام محكمة النقض.
لم تكن القطعة المسروقة مجرد ساور ذهبي يمكن تقدير قيمته بالوزن في سوق الذهب، بل كانت أثرا تحمل أسرار المصري القديم بين جزيئتها تحمل قيمة تاريخية لا يمكن تعويضها.
بدأت الواقعة في 9 سبتمبر 2025، عندما استغلت أخصائية ترميم تعمل بالمتحف وجودها داخل معمل الترميم واستولت على الأسورة من خزينة المتحف، ولم تكتشف الواقعة إلا بعد أيام من السرقة، حين تقدم مسؤولو المتحف ببلاغ إلى الأجهزة الأمنية في 13 سبتمبر 2025 بشأن اختفاء القطعة.
وأفادت التحقيقات والتغطيات المنشورة بعد اكتشاف السرقة بأن الأسورة تعود للملك ” بسوسنس الأول “وترتبط بالأسرة الحادية والعشرين، من العصر المتاخر وأن عمرها يقارب 3 آلاف عام، وبحسب ما أعلنته وزارة الداخلية أن الأسورة خرجت من المتحف على يد أخصائية الترميم ثم انتقلت إلى أحد معارفها وهو صاحب محل فضيات في منطقة السيدة زينب
ووفقًا للتحقيقات المنشورة بيعت الأسورة إلى مالك ورشة ذهب في منطقة الصاغة مقابل 180 ألف جنيه، قبل أن تنتقل إلى عامل في مسبك ذهب مقابل 194 ألف جنيه، غير أن أخطر مراحل الواقعة تمثلت في صهر الأسورة مع مشغولات ذهبية أخرى وإعادة تشكيلها، ما أدى إلى فقدان القطعة هويتها الأثرية الأصلية بصورة نهائية.
كما كشفت التحقيقات أيضًا أن إحدى مراحل التعامل مع الأسورة تضمنت كسر الخرزة الزرقاء الموجودة بها، في محاولة للتعامل معها باعتبارها ذهب عادي وإخفاء ما قد يكشف عن طبيعتها الأثرية، بينما تناولت التحقيقات استخدام “زرادية”، لكسر الخرزة الموجوده في الأسورة قبل وزنها، ثم التعامل معها باعتبارها ذهب خام، وبذلك لم تقتصر الخسارة على سرقة قطعة من المتحف بل امتدت إلى إتلاف الدليل المادي على صناعتها وشكلها وتفاصيلها الأصلية بعد صهرها.
بعد الواقعة لم تقتصر التحقيقات على تحديد المسؤولين عن الاستيلاء على الأسورة، بل امتدت إلى بحث آليات تداول القطع الأثرية داخل المتحف وسبل حفظها وتأمينها، وأوصت اللجنة المختصة بإعداد سجل خاص بحركة الأثر داخل المعمل، وسجل آخر للخزينة مع استيفاء التوقيعات، ومنع دخول الحقائب الشخصية مع المرممين، وتفتيشهم عند الخروج، وتركيب كاميرات مراقبة داخل المعمل.
بينما أسفرت التحقيقات عن ضبط أربعة متهمين في القضية، بينهم أخصائية الترميم واثنان من المتعاملين في سلسلة بيع الأسورة، بالإضافة إلى عامل المسبك، وفي 31 ديسمبر 2025 قضت المحكمة المختصة بالسجن المشدد 15 عامًا على أخصائية الترميم والمتهم الثاني، مع تغريم المتهمين الثالث والرابع 5 آلاف جنيه لكل منهما. كما قضت المحكمة بتغريم المتهمة الأولى مبلغ مليوني جنيه، وفقًا لما أوردته تقارير جلسة الحكم.
غير أن الملف القضائي لم ينته عند هذا الحد ففي أغسطس الماضي، رفضت محكمة النقض الطعن المقدم من المتهم الثاني وأيدت الحكم الصادر ضده بالسجن المشدد 15 عامًا، ليصبح الحكم نهائيًا .
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم