
حوار: مروة محي الدين
“ماجد المصري” الأسير الذي ذاق العذاب ألوانا، على مدار عقدين ونصف من الزمان، في سجون الاحتلال، يستكمل حكايته عن الأسر، في حوار خاص لموقع اليوم، راويًا صنوفًا جديدة من القسوة والإيذاء والتعذيب، فيبدأ السرد من لحظة انقلبت فيها موازين الأمور داخل السجون، هي لحظة انطلاق طوفان الأقصى.
7 أكتوبر

مع تنامي القمع المفرط للاحتلال بعد 7 أكتوبر، تعاطى “المصري” وزملاء الحركة، بما أفسد على الاحتلال مخططاته، فقال عن ذلك: “كوني أحد قيادات الحركة الأسيرة، أخذت مع زملائي قرارًا بعدم المواجهة، إذ نما الأمل داخلنا بأننا سنكون بالخارج قريبًا، لأن الاحتلال بكل عنجهية كان قد قرر قتل الأسير الفلسطيني وتدميره، ومن هنا أبلغنا زملائنا في الأسر أن تلك عاصفة، يجب أن ننحني أمامها، حتى نخرج لأهلنا سالمين”.
وتابع: “وبهذا أحبطنا مخططات الاحتلال، فقد كان معنيا بدفعنا لمواجهته، ليقتل عدد كبير منا، وخلال هذين العامين قتل 61 أسيرًأ فلسطينيًا، ولم نكن نرغب في أن يخرج الأسرى بإعاقات، نتيجة الضرب المبرح على رأس وبالأقدام… إلخ، وقد أصابهم تمريرنا هذه الأمور بسلام، حتى إخراجنا من السجون”.
ومع ذلك القمع، الذي جاء إجراء انتقاميا ضد عملية طوفان الأقصى، كان للأسرى رؤيتهم في تلك العملية، التي عبر عنها الأسير المحرر، فقال: “كانت المقاومة أخلاقية وإنسانية في كل خطواتها في هذه العملية؛ وعلى النقيض من ذلك، كان سلوك الاحتلال الذين قتلوا المدنيين واعترفوا بذلك، وهو بروتوكول معروف عندهم باسم هونوباعل، ويقضي بقتل الآسرين والمأسورين، فالإسرائيليين هم من قتلوا، فيما تعاملت المقاومة بأخلاق عالية وإنسانية مع الناس جميعًا، اليهود وغيرهم؛ وتلك عادة الاحتلال الذي يتعامل مع الفلسطينيين بلا أخلاق وبلا إنسانية”.
كما رأي في الطوفان إنجازًا للحركة الوطنية، فقال: “7 أكتوبر ليس انتصارًا حقيقيًا للشعب الفلسطيني وحده، بل انتصارًا لإرادة للشعوب العربية والشعوب العالمية، أمام عنجهية هذا الاحتلال؛ حيث أسقطت المقاومة منهج الأمن الإسرائيلي، وتفوقه التكنولوجي، وأسقطت منهج القوة العسكرية للاحتلال بعنجهيته: أن جيشهم هو الجيش الذي لا يقهر في الشرق الأوسط”.
عبير الحرية

فرحة الأسير المحرر حين يتنسم الحرية، لا تضاهيها فرحة، لكن فرحة “المصري” جاءت مكدرة، حيث يقول: “نعم عمتنا الفرحة بنبأ الإفراج عنا، لكن فرحتنا الكبرى كانت بوقف الحرب ضد أهلنا في غزة، ووقف المجازر والإبادة بحق شعبنا، لكن فرحتنا كانت منقوصة، حين علمنا أن 110 مؤبدات باقين في السجون، وعلى رأسهم الأخ مروان البرغوثي، وأحمد سعدات، وإبراهيم حامد، وناصر عويس، وعباس سيد، وثلة من الشعب الفلسطيني، ستبقى خلفنا في داخل الأسر؛
نتمنى لهم أن يصبحوا معنا في مصر الشقيقة، ومصر العروبة، وسط شعب مصر العظيم الذي استقبلنا كما لو كان استقبلونا أهلنا إن خرجنا على الضفة الغربية، فهي التي استقبلتنا وحضنتنا وأهلنا، ومن نشكر الشعب المصري والقيادة المصرية على ضيافتنا في أرض مصر العظيمة”.
وفي حكايته عن لحظة الحرية وما كدرها، ثمة صورة انطبعت في قلبه لحظة وصوله معبر رفح، وقد رواها قائلًا: “أول صورة انطبعت في ذهني لحظة وصولنا معبر رفح، وحين التقينا إخوتنا، كانت الصدمة كبيرة لنا، حيث أبلغونا أننا آخر دفعة تخرج من أصحاب المؤبدات؛
حينها وضعت نفسي مكان إخواني المؤبدات في السجون، وما كان يحدث لو كنت مكانهم؟ وموطن الصدمة كان في علمي أن الشباب ينتظروا خروجهم خلفنا الأسبوع القادم؛
لكن أملًا يعيش فينا معقود بدواخلنا، يجعلني دائمًا أتمنى من الله أن يتم خروجهم غداً، ليعيشوا معنا، أتمنى أن يكون هناك شيء حقيقي يخرج جميع الأسرى، لاسيما أصحاب المؤبدات من السجون، ورسالتي لهم أن اصمدوا، وكما عشنا أيام المأساة وكنا نضحك، ستعيشون القادم وأنتوا تضحكوا، فاجعلوا أملكم في الله كبير، وتمسكوا بالدعاء والتضرع له، والله صبركم وصمودكم أهم من كل إشي”.

وعلى الرغم من كل ذلك، يمثل خروج الأسير لأسرته انطباعا خاصا، لاسيما بعد طول غياب، وفي هذا يقول: “كان أعظم شعور في حياتي، حين احتضنت زوجتي وبناتي، بعد عقدين من الزمان، كان شعوري وشعورهم لا يوصف؛ فقد تركتهم وعمر بناتي ثلاث سنوات وخمس، لأستقبلهن في القاهرة، وعمر إحداهن 27 سنة و الثانية 29 سنة”.
إبعاد قسري

يرى “المصري” في الإبعاد قرار مؤلم، حمل كثيرًا من اللطف، فقال: “كان الإبعاد إلى خارج الوطن قرارًا مؤلمًا للغاية، لكن ما يقلل وقعه أننا بين شعبنا في مصر، فليس غريبًا على المصريين أن يحتضنوا الفلسطينيين، فهذه طبيعتهم وأخلاقهم”
وأضاف: “أنا لا أجامل لأني أتحدث مع مصرية، بل هذه هي الحقيقة التي أستشعرها في كل لحظة، فقبل أيام أربع، حدث معي موقف يدلل على ذلك، حين استقليت سيارة أجرة وكانت معي زوجتي وبناتي، فشعر السائق أنني أحد الفلسطينيين المبعدين فإذا به يرفض أن يتقاضى أجره، وأقسم ألا يأخذ مني قرشًا أو جنيهًا واحدًا، وقال: إن هذا أقل شيء أقدمه للشعب الفلسطيني؛ فإن كان هذا سلوك سائق لا يعرفنا فذلك طبع الشعب المصري”.

بالتأكيد قرار الإبعاد وراءه هدف يبغي الاحتلال تحقيقه، ربما كان وجها آخر للعقاب، وعن يقول الأسير المحرر: “يهدف الاحتلال من الإبعاد تحقيق أمرين: الأول: أنه لا يرغب في إخراج قيادات فلسطينية جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ذلك أن كل المبعدين إلى مصر قيادات ميدانية في فتح وحماس، ولديهم تجربة كبيرة في السجون، بما يجعلهم لخدمة شعبهم؛ والثاني: ألا يخرجوا قيادات تؤهل الكوادر الفلسطينية لمواقف مقاومة جديدة، ومن هنا كان الحل الأمثل من وجهة نظرهم طردهم خارج البلاد؛
والدليل على خشيته من القيادات، أننا حين نقلنا قسرًا سجن كتسيعوت في النقب، وصلتنا تهديدات رسمية،بأنهم سيقتلوننا وإن خرجنا، بما يعني أن الحساب بيننا مفتوح لم ينته بعد، حتى كان هناك تحريض صريح علينا في أحد الصحف البريطانية، منذ عدة أيام”.

في نهاية الحوار، أقر الأسير بأن الحياة محطات، وكل محطة تحمل بداية جديدة، فقال: “بالطبع أرى أن مازالت الفرصة أمامي للعودة لأحضان حركة فتح، لذا أفكر في خوض المعركة السياسية معها، وأستمر في نشاطي مع الحركة؛ كذلك أرغب في العيش في مصر، وإن خيروني بين مصر وأي دولة في العالم سأختارها هي، إلا إن كان الخيار بين مصر وفلسطين، هنا سأختار فلسطين”.
وأكد على أن أهم أولوياته في المرحلة القادمة الحفاظ على ما قدمت غزة، فقال: “وسأجعل أهم خطواتي القادمة، الدعوة إلى الوحدة بين الفصائل الفلسطينية، فقوتنا أمام العالم في وحدتنا، وما حققته غزة لن يحقق إنجازا سياسيا على مستوى العالم بدون وحدة، لاسيما ومعظم شعوب العالم الآن معنا، ولن يستمروا كذلك بدون الوحدة بين فتح وحماس، فيحب أن نتوحد، من أجل شهداء غزة وجرحاها، لنقف موقف واحد، من أجل أن نقول غدا بدماء الشهداء إقامة دولة فلسطينية”.
ماجد المصري لـ«اليوم» 1: حولنا السجون إلى مدارس ثورية لاستكمال النضال




