لطالما آمنتُ أن الدراما ليست مجرد “تسلية” لقضاء وقت الفراغ، بل هي أحياناً مشرط جراح يغوص في الجراح المسكوت عنها في جسد المجتمع، وهذا ما وضح في مسلسل “حكاية نرجس”، الذي لم يكن مجرد عمل درامي، بل كنا أمام محاكمة علنية لغريزة الأمومة حينما تضل طريقها، وللمجتمع حينما يمارس “التنمر المقدس” على امرأة حرمها القدر من الإنجاب.
لقد نجحت النجمة ريهام عبد الغفور في تقمص روح “عزيزة السعداوي” الشهيرة بـ “عزيزة بنت إبليس” لا كقالب إجرامي جامد، بل كإنسانة مشوهة نفسياً، ولدت من رحم القهر والجهل، الربط بين “نرجس” و”عزيزة” لم يكن مجرد “اقتباس لواقعة اختطاف”، بل كان غوصاً في فلسفة “الكذبة التي تتحول إلى حقيقة”، فالبطلة لم تسرق طفلاً لتبيعه، بل سرقته لتعيش “وهم الأمومة” الذي فرضه عليها محيط لا يرحم المرأة العاقر.
أكثر ما استوقفني في هذا الربط هو شخصية “إسلام الضائع”، ذلك الشاب الذي جسد مأساة “تغريب الروح”، فعاش 43 عاماً يحمل اسماً وهوية وتاريخاً لا يخصه، فقط لأن امرأة قررت أن تصنع قدراً بديلاً، المسلسل طرح السؤال الموجع: “من أنا إذا كان كل ما أعرفه عن نفسي هو كذبة صاغها شيطان بزي ممرضة؟”.
ويا للمفارقة القدرية، فبينما كانت الشاشات تعرض مأساة “نرجس” في رمضان 2026، كان الواقع يُسطر نهاية تفوقت على خيال الكُتّاب، لقد أعاد هذا العمل تحريك “المياه الراكدة” في قضية إسلام الحقيقية، ليتحول الفن إلى “دليل إثبات” قاد هذا التائه أخيراً إلى حضن عائلته الحقيقية في ليبيا.
“حكاية نرجس” لم يكتفِ بإدانة “بنت إبليس”، بل أداننا جميعاً؛ أدان نظرتنا القاصرة للمرأة، وصمتنا عن الجهل، واحتفالنا بالظواهر دون النظر إلى الجروح الغائرة تحت الجلد، إنه عمل سيبقى طويلاً في ذاكرتنا، ليس لبشاعة أحداثه، بل لصدق الحقيقة التي نطق بها من وراء ستار الخيال.
🔗 رابط مختصر للخبر
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم