خبير تشادي لـ”اليوم”: الضربة داخل تشاد توسّع نطاق حرب السودان.. وهذه خيارات الرد

صالح إسحاق: الرد العسكري المباشر خيار احتياطي.. والأولوية لمنع تحول تشاد إلى ساحة حرب

خبير تشادي لـ”اليوم”: اتساع الحرب السودانية ينقل مخاطرها إلى دول الجوار

حوار: سمر صفي الدين

تدخل العلاقات التشادية السودانية مرحلة جديدة من التوتر، بعد الضربة التي استهدفت رتلاً عسكريًا داخل الأراضي التشادية، على عمق يتجاوز 100 كيلومتر من الحدود مع السودان، في تطور يثير مخاوف من انتقال الحرب إلى دول الجوار.

وتأتي الضربة الأخيرة في وقت تتصاعد فيه الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأنجمينا، بشأن استخدام الأراضي التشادية ممرًا لإمداد قوات الدعم السريع، بينما تؤكد تشاد تمسكها بحماية سيادتها ومنع امتداد الصراع السوداني إلى أراضيها.

ويزيد الحادث من حساسية المشهد، بعدما أعلنت هيئة الأركان التشادية رفع جميع وحداتها إلى حالة التأهب القصوى، مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن الأراضي التشادية، ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة للتصعيد.

وتتجاوز تداعيات التطور حدود البلدين، في ظل أهمية استقرار دول الجوار بالنسبة إلى مصر، التي ترتبط بالسودان بحدود مباشرة، بينما تقع تشاد ضمن محيطها الإقليمي القريب، ما يجعل اتساع الحرب أو انتقالها إلى دول أخرى مصدر قلق أمني وسياسي أوسع.

وفي حواره مع “اليوم”، يستعرض الخبير في الشؤون الإفريقية من دولة تشاد، صالح إسحاق، دلالات الضربة الأخيرة، وأبرز المؤشرات بشأن الجهة المنفذة، وحسابات التأهب التشادي، واحتمالات تكرار الاستهداف، وكيف يمكن لنجامينا احتواء التصعيد دون الانخراط مباشرة في الحرب السودانية.

الخبير في الشؤون الإفريقية من دولة تشاد صالح إسحاق
الخبير في الشؤون الإفريقية من دولة تشاد صالح إسحاق
  • كيف تقرأون في تشاد الضربة الأخيرة التي استهدفت رتل عسكري داخل الأراضي التشادية على بُعد أكثر من 100 كيلومتر من الحدود مع السودان؟

تُقرأ الضربة الأخيرة في تشاد باعتبارها تطورًا أمنيًا بالغ الحساسية، خاصة مع وقوعها داخل الأراضي التشادية وعلى عمق يتجاوز 100 كيلومتر من الحدود السودانية. هذا العمق يمنح الحادث دلالة تتصل مباشرة بالسيادة الوطنية وقدرة الدولة على تأمين أراضيها في ظل تداعيات الحرب السودانية. وتتعامل أنجمينا مع الحادث من زاوية حماية الأمن الوطني وضبط تداعيات الصراع الإقليمي، مع تعزيز الجاهزية والرقابة على المناطق المتأثرة، ومتابعة ملابسات الضربة عبر المؤسسات المختصة، بالتوازي مع التحرك السياسي والدبلوماسي لحماية المصالح التشادية.

كما تحمل الواقعة رسالة واضحة إلى مختلف الأطراف المنخرطة في الأزمة السودانية، بأن تشاد تضع أمن أراضيها وسيادتها في مقدمة أولوياتها، وأن التعامل مع التطورات الميدانية داخل الأراضي التشادية يخضع لحسابات الدولة ومؤسساتها.

وتحافظ أنجمينا على مساحة واسعة من الغموض بشأن إجراءاتها وقدراتها، بما يخدم الردع ويحفظ هيبة الدولة. وبصورة عامة، تكشف الضربة عن اتساع تداعيات الحرب السودانية على البيئة الأمنية المحيطة، وتدفع تشاد إلى تشديد حساباتها الأمنية والسياسية، مع الحفاظ على موقعها كدولة معنية بحماية حدودها واستقرارها الداخلي وإدارة الأزمة بما يحفظ مصالحها الوطنية.

  • هل تمتلك السلطات التشادية، حتى الآن، أدلة واضحة تحدد الجهة التي نفذت الضربة، وما أبرز المؤشرات التي تستند إليها في اتهام الجيش السوداني أو حلفائه؟

حتى الآن، المعطيات المعلنة من الجانب التشادي تشير إلى ترجيح مسؤولية الجيش السوداني أو جهات مساندة له، أكثر من كونها تقدم ملفًا علنيًا مكتملاً يحدد المنفذ بصورة قاطعة. هيئة الأركان التشادية قالت إن المعلومات المتوافرة لديها تشير إلى طائرات ومسيّرات تابعة للقوات السودانية أو لجهات داعمة لها، وهو تقدير عسكري مبني على معطيات لدى السلطات لم تُكشف تفاصيلها للرأي العام.

وتستند الرواية التشادية إلى مجموعة من المؤشرات المتقاطعة، طبيعة الهجوم واستخدام الطائرات والمسيّرات، وقوعه داخل الأراضي التشادية على مسافة تتجاوز 100 كيلومتر من الحدود، والتزامن مع عمليات جوية سودانية استهدفت خطوط إمداد وتحركات لقوات الدعم السريع في المنطقة الحدودية.

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية آثار حرائق وبؤر احتراق في المنطقة خلال الفترة الزمنية نفسها، بما يدعم وقوع عملية قصف واحتراق، مع بقاء تحديد هوية المنفذ خارج نطاق ما تثبته الصور وحدها.

وهناك أيضًا سياق عملياتي مهم؛ فالجيش السوداني كان يعلن عن استهداف خطوط إمداد تابعة للدعم السريع، بينما تتهم الخرطوم تشاد بتسهيل مرور إمدادات إلى الدعم السريع. لذلك ترى تشاد أن فرضية استهداف رتل مرتبط بالحرب السودانية من جانب القوات السودانية أو حلفائها تتوافق مع مسار العمليات في المنطقة.

وفي المقابل، تظل المسؤولية الرسمية بحاجة إلى إثبات مستقل وعلني؛ إذ لم يكن الجيش السوداني قد أعلن في التقارير المتاحة عند وقوع الحادث، مسؤوليته عن الضربة داخل الأراضي التشادية، بينما أكدت الخرطوم لاحقًا أن إدانة الضربة سبقت إجراء تحقق مهني ومستقل من ملابساتها.

وبالتالي، يمكن القول إن تشاد تمتلك مؤشرات عسكرية وميدانية قوية بنت عليها اتهامها، بينما التفاصيل التي تسمح بإثبات المسؤولية بصورة نهائية تبقى ضمن نطاق المعلومات التي تحتفظ بها مؤسسات الدولة. وهذا تحديدًا يتيح لأنجمينا الحفاظ على موقف حازم تجاه انتهاك أراضيها، مع إبقاء تفاصيل مصادر معلوماتها ووسائل التحقق خارج التداول العلني.

  • ماذا يعني إعلان الجيش التشادي رفع قواته إلى حالة التأهب القصوى، وهل تعكس هذه الخطوة استعدادًا لرد عسكري أم أنها رسالة تحذير للخرطوم؟

رفع القوات التشادية إلى حالة التأهب القصوى يحمل في الأساس طابعًا ردعيًا وسياديًا، مع إبقاء خيار الرد العسكري حاضرًا ضمن حسابات الدولة. فالجيش التشادي أعلن وضع وحداته في أعلى درجات الجاهزية تحسبًا لأي تطورات ميدانية، وأكد احتفاظه بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السيادة والتصدي لأي تهديد محتمل.

وبالتالي، فالرسالة موجهة إلى الخرطوم وإلى جميع الأطراف المعنية، أي تكرار لاستهداف داخل الأراضي التشادية سيقابل بتعامل مختلف من الدولة التشادية. رفع الجاهزية يمنح القيادة مساحة لاتخاذ القرار وفق تطورات الميدان، ويعزز قدرة القوات على حماية الحدود والأراضي، مع ترك طبيعة الرد وتوقيته في إطار قرار الدولة.

ومن الناحية السياسية، تمثل الخطوة أيضًا رسالة تحذير محسوبة للخرطوم بأن أنجمينا تنظر إلى استهداف أراضيها باعتباره مسألة سيادة وأمن قومي، وأن استمرار العمليات داخل العمق التشادي يمكن أن يدفع العلاقة بين البلدين إلى مرحلة أكثر توترًا. وفي الوقت نفسه، فإن إعلان التأهب يتيح لتشاد إدارة الموقف من موقع قوة، مع الحفاظ على هامش للتحرك السياسي والدبلوماسي.

لذلك يمكن وصف الخطوة بأنها استعداد للرد ورسالة تحذير في الوقت نفسه؛ فالجاهزية العسكرية تمنح التحذير مصداقيته، بينما عدم الإعلان عن طبيعة الإجراءات المقبلة يحافظ للدولة على هامش الحركة ويجنبها كشف حساباتها وقدراتها.

  • إلى أي مدى يمكن أن تتكرر هذه الضربات داخل الأراضي التشادية، وهل تمتلك تشاد القدرات العسكرية والاستخبارية الكافية لمنع انتقال الحرب السودانية إلى أراضيها؟

تبقى إمكانية تكرار الضربات قائمة في ظل استمرار الحرب السودانية وتزايد الاعتماد على الطائرات والمسيّرات، فضلاً عن اتساع المجال الحدودي وصعوبة إحكام السيطرة على امتداده بالكامل. كما أن وصول الضربة الأخيرة إلى عمق يتجاوز 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية يعكس انتقال المخاطر المرتبطة بالصراع السوداني إلى ما وراء نطاق الحدود المباشرة، بما يفرض على تشاد تعزيز إجراءاتها الأمنية ورفع مستوى الجاهزية للتعامل مع أي تطورات مماثلة.

وتملك تشاد أدوات عسكرية وأمنية تسمح لها برفع كلفة أي تجاوز ومراقبة مناطق الخطر وتعزيز الانتشار عند الضرورة، لكن طبيعة الحدود الواسعة وصعوبة تغطية كل المناطق الصحراوية تجعل منع كل حادث بصورة مسبقة مهمة شديدة التعقيد. كما أن تصاعد الاعتماد على المسيّرات والطيران في الحرب السودانية يزيد من صعوبة التعامل مع التهديدات التي تأتي من مسافات بعيدة.

لذلك تبدو الأولوية التشادية في المرحلة الحالية هي تحويل حالة التأهب إلى منظومة ردع مستمرة، تجمع بين الرصد المبكر والانتشار العسكري والضغط السياسي، بحيث يصبح أي استهداف جديد داخل الأراضي التشادية مكلفًا سياسيًا وأمنيًا بالنسبة إلى الجهة التي تقف وراءه.

وفي الوقت ذاته، تحتفظ أنجمينا بهامش واسع في تحديد طبيعة ردها وتوقيته وفق تطورات الموقف. وبالنسبة إلى قدرة تشاد على منع انتقال الحرب، فإنها تستطيع احتواء الخطر وتقليص احتمالات تكراره بدرجة كبيرة، بينما يصعب تقديم ضمان كامل في ظل حرب نشطة على حدودها.

ولهذا فإن نجاحها سيقاس بقدرتها على حماية العمق التشادي، وفرض احترام سيادتها، وإبقاء الصراع السوداني داخل حدوده، مع الحفاظ على قدر من الغموض بشأن إجراءاتها وقدراتها التي تخدم الردع.

  • في حال ثبت أن القافلة المستهدفة كانت تحمل إمدادات عسكرية إلى قوات الدعم السريع، فكيف يمكن لتشاد التعامل مع هذا التطور دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الجيش السوداني؟

إذا ثبت أن القافلة كانت تحمل إمدادات عسكرية إلى قوات الدعم السريع، فالأرجح أن تتعامل تشاد مع الأمر باعتباره مسألة أمن وسيادة في آن واحد. فوجود إمدادات عسكرية مرتبطة بأحد أطراف الحرب داخل الأراضي التشادية يضع أنجمينا أمام ضرورة ضبط استخدام أراضيها، بينما يبقى دخولها في مواجهة مباشرة مع الجيش السوداني خيارًا عالي الكلفة.

الأقرب إلى حسابات الدولة هو تشديد الرقابة على حركة القوافل والمواد العسكرية في المناطق الحدودية، وفتح تحقيق رسمي يحدد طبيعة الشحنة ومسارها والجهات المسؤولة عنها، ثم معالجة الملف سياسيًا مع الخرطوم عبر رسالة واضحة مفادها أن أي ملاحقة عسكرية داخل الأراضي التشادية تمثل تجاوزًا لسيادة الدولة.

وتزداد أهمية هذا المسار في ظل اتهامات سودانية سابقة لتشاد بتسهيل مرور إمدادات إلى الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أنجمينا. وفي حال تأكدت الصلة العسكرية للقافلة، تستطيع تشاد أن تفصل بين ملفين، منع استخدام أراضيها في نقل الدعم العسكري، وحماية أراضيها من أي عمليات عسكرية خارجية.

هذا الفصل يمنحها مساحة سياسية أوسع للتعامل مع الخرطوم، ويجنبها الظهور كطرف في الحرب، مع الاحتفاظ بحقها في اتخاذ إجراءات سيادية داخل أراضيها. كما أن أفضل إدارة للموقف تتمثل في رفع مستوى التنسيق الأمني والاتصالات المباشرة مع السودان، بالتوازي مع الاستفادة من الاتحاد الإفريقي والشركاء الإقليميين لمنع تحول الحادث إلى نمط متكرر. وقد حذر الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة بالفعل من اتساع الحرب السودانية إلى دول الجوار بعد الضربة الأخيرة.

وبالتالي، فإن تشاد تستطيع احتواء التداعيات عبر ضبط أراضيها، ومحاسبة أي نشاط عسكري غير مصرح به، وفرض احترام سيادتها، مع إبقاء الرد العسكري المباشر خيارًا احتياطيًا ضمن قرار الدولة. بهذه المعادلة تحافظ أنجمينا على علاقتها مع الخرطوم وعلى أمنها الوطني، وتمنع في الوقت نفسه تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الجيش السوداني والدعم السريع.

اترك رد