خالد عمر يكتب لليوم: بين ذاكرة النصر وذاكرة الليلة الكبيرة

بقلم دكتور: خالد عمر- الخبير بالشئون السياسية والتجارة الدولية

 

في مثل هذا اليوم، السادس من أكتوبر، تتجدد في وجدان المصريين ذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، ذلك اليوم الذي ارتبط بمعاني العزة والكرامة واستعادة الأرض والثقة والقدرة على تجاوز المستحيل. وفي باريس، يتزامن هذا اليوم مع تحركات ومظاهرات طلابية منتظرة، تعبر عن مطالب تتعلق بالتعليم ومستقبل الشباب، في مشهد سبق أن تناولت أبعاده ودلالاته في مقالات سابقة، ولذلك لن أتوقف عنده اليوم، فقد وجدت نفسي مشدودًا إلى مناسبة أخرى تتزامن مع هذا اليوم، وتحمل بالنسبة إليّ معنى مختلفًا تمامًا ، إنها الليلة الكبيرة لمولد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة.

والحديث عن «الليلة الكبيرة» يعيدني- قبل أي شيء- إلى القاهرة التي عشت طفولتي بين أحيائها القديمة، وإلى أيام كانت فيها منطقة الحسين وما حولها تتحول في هذه المناسبة إلى مشهد إنساني وروحي وشعبي يصعب أن تنساه الذاكرة.

كانت الجموع تتوافد إلى القاهرة من صعيد مصر وقراها، ومن بحري وشمال البلاد وجنوبها، فيمتلئ المكان بالناس، وتتحول الحارات والبيوت والأزقة إلى أماكن لإقامة القادمين، بينما تمتد أصوات الإنشاد والمديح في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وآل بيته طوال الليل والنهار.

لم تكن «الليلة الكبيرة» بالنسبة لنا مجرد مناسبة دينية، بل كانت عالمًا كاملًا من التفاصيل التي تختلط فيها الروحانية بالعادات المصرية الأصيلة.

كانت الموائد عامرة بالطعام الفلاحي والصعيدي، وكانت أنواع الخبز المختلفة تحتل مكانة خاصة في الذاكرة؛ العيش المرحرح، والفطير المشلتت، والجبن الفلاحي الطبيعي، وغيرها من الأطعمة التي كانت تحمل معها رائحة الأرض والريف ودفء البيوت المصرية.

وكنا نستعد لهذه الليلة قبل موعدها، فنعد الفول النابت والطعمية واللحمة والأرز وصواني الفتة، ونحجز الخبز من الفرن، وكان «الألف» يعني أربعين رغيفًا، ونجهز الطرشي والمخلل وغيرها مما تحتاجه الموائد التي كانت تجمع الناس ، وتوزع علي الجيران والاقارب والاحباب والأصدقاء و ضيوف مولانا الحسين رضي الله عنه. أما صواني اللحم والأرز المطهوة بالسمن البلدي الأصلي، فما زالت رائحتها عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.

والغريب أن بعض الذكريات لا تحتاج إلى صورة كي تستعيدها، يكفي أحيانًا أن تمر رائحة معينة حتى يعود الإنسان عشرات السنين إلى الوراء.

وما زالت نكهة ذلك السمن البلدي، في مخيلتي، قادرة على أن تعيدني إلى تلك الليالي بكل تفاصيلها، وكأنني ما زلت ذلك الطفل الذي ينتظر وصول صواني الطعام وسط زحام القاهرة القديمة.

وكانت منطقة الحسين في تلك الأيام تعيش حالة استثنائية ،من المشهد الحسيني إلى باب الفتوح، ومن ناحية الدراسة وحديقة الخالدين أمام مستشفى الحسين، ثم إلى المنطقة المحيطة بالجامع الأزهر، كان هناك مد بشري هائل، رجال ونساء وشباب وأطفال، يفدون من كل مكان، وكأن القاهرة القديمة تستعيد في تلك الليالي شيئًا من ذاكرتها التاريخية.

وأتذكر على وجه الخصوص مواكب الزفة التي كانت تبدأ من باب الفتوح، وأخرى من ناحية الدراسة، ثم تلتقي عند ساحة مسجد الإمام الحسين.

كنت فتًا صغيرًا، وكان يشجعني علي ذلك أخي الأكبر مني؛ وكان في مقدمة كل موكب رجل يرتدي العباءة البيضاء والعمامة الخضراء، راكبًا حصانًا، يحيط به أبناء الطريقة ومريدوها، وكنا نحمل الأعلام واللافتات ذات الشعارات الدينية، وسط جموع غفيرة تصطف على جانبي الطريق.

كانت النساء والرجال يلقون علينا ماء الورد والعطر والفل والحلوى والشربات، وكانت الزغاريد تتعالى من كل جانب، وتتردد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته. كان المشهد بالنسبة لصبي في مثل سني آنذاك ساحرًا بكل ما فيه من ألوان وروائح وأصوات وحركة، ولذلك بقيت تفاصيله حاضرة في الذاكرة رغم مرور عشرات السنين.

لكن الطفل الذي كنته لم يكن يكتفي بالمشاهدة. كنت أطرح في داخلي أسئلة لم أكن أملك لها آنذاك إجابات واضحة: هل هذه المظاهر هي التعبير الحقيقي عن محبة الإمام الحسين؟ وهل المحبة تكون في كثرة الاحتفال ومظاهر الفرح، أم أن لها معنى أعمق يرتبط بسيرة الرجل الذي نحيي ذكراه؟

في ذلك الوقت لم تكن الأسئلة ملحة، وربما لم أكن أملك الأدوات التي تساعدني على البحث عن إجاباتها. أما اليوم، وبعد سنوات طويلة، فقد أصبحت أنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة.

أنا من محبي ومريدي الإمام الحسين رضي الله عنه، وأحب أخاه الإمام الحسن، وأباه الإمام علي، وأمه السيدة فاطمة الزهراء، وأحب آل بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وأرى أن محبتهم ليست مجرد عاطفة تاريخية أو وجدانية، وإنما جزء أصيل من محبة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومكانتهم في وجدان المسلمين.

لكنني في الوقت نفسه أرى أن المحبة الصادقة لا ينبغي أن تتوقف عند المظاهر الاحتفالية. فهناك فرق بين أن نحب شخصية عظيمة، وبين أن نفهم رسالتها ونقتدي بما حملته من قيم ومعانٍ.

ولهذا لديّ تحفظ على بعض صور وأساليب الاحتفال التي ارتبطت عبر الزمن بالمولد، لا رفضًا لمحبة الإمام الحسين أو لإحياء سيرته، وإنما رغبة في أن يكون إحياء ذكراه أقرب إلى جوهر سيرته وأبعد عن المظاهر التي قد تفتح بابًا للخلاف أو الالتباس.

وأتصور أن أجمل طريقة لإحياء ذكرى الإمام الحسين هي أن نجعلها مناسبة لقراءة القرآن، والصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم، والتذكير بسيرته وسيرة آل بيته، وبحياة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وزوجاته وصحابته والتابعين رضي الله عنهم جميعًا، وأن نتوقف عند الدروس العميقة التي تركتها تلك السيرة في معنى الإيمان والصبر والكرامة والثبات على المبدأ.

فالإمام الحسين لا يعيش في ذاكرتنا لأنه استشهد فقط، وإنما لأن حياته وموقفه أصبحا جزءًا من الذاكرة الأخلاقية والإنسانية للأمة. ومن هنا فإن أعظم وفاء له ليس في تحويل ذكراه إلى طقس سنوي ينتهي بانتهاء الليلة الكبيرة، ولكن في أن نسأل أنفسنا: ماذا تعلمنا من الحسين؟ وماذا بقي من معانيه في سلوكنا وحياتنا؟

وهنا، دون أن أقصد المقارنة بين حدثين مختلفين في التاريخ والسياق، أجد نفسي أمام مفارقة جميلة في السادس من أكتوبر؛ ففي هذا اليوم نستعيد ذكرى جنود مصريين عبروا قناة السويس، وخاضوا معركة استعادة الأرض والكرامة، وفي الوقت نفسه نستعيد سيرة رجل من آل بيت النبوة ارتبط اسمه في الوجدان الإسلامي بالثبات والشجاعة والتضحية من أجل ما آمن به.

لكل حدث سياقه الخاص، ولكل شخصية مقامها ومكانتها، لكن ثمة قيمة إنسانية مشتركة يمكن أن نتوقف عندها: قيمة الإنسان حين يتمسك بما يراه حقا، وحين تتحول الكرامة والثبات والتضحية من كلمات إلى مواقف.

وربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت «الليلة الكبيرة» بالنسبة إليّ اليوم أكثر من مجرد ذكرى طفولة، إنها نافذة أطل منها على مصر التي عرفتها، وعلى القاهرة القديمة التي احتضنت ملايين البشر، وعلى عادات وطقوس شعبية كانت تجمع الناس، وعلى أسئلة دينية وفكرية رافقتني منذ الطفولة وما زالت تبحث عن مزيد من الفهم.

لقد تغيرت القاهرة، وتغيرت الأجيال، وتغيرت طريقة الاحتفال، وربما تغيرت أشياء كثيرة في حياتنا، لكن بعض الذكريات لا تتغير، إذ تبقى في القلب، وتبقى في الذاكرة، وأحيانًا تبقى في حاسة الشم: رائحة الخبز، ورائحة الفل وماء الورد، ورائحة السمن البلدي فوق صواني اللحم والأرز، وأصوات الزغاريد والصلاة على النبي، وصوت أخي الأكبر ونحن نجري وسط الزحام نفترق أحيانا ونلتقي احيانا وسط أمواج بشرية.

وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما تمنحه لنا الذكريات ليس أن نعيش الماضي من جديد، وإنما أن نتعلم كيف ننظر إليه بعين أكثر نضجا. أن نحتفظ بجمال الطفولة دون أن نتوقف عندها، وأن نحترم تراثنا الشعبي دون أن نجعله فوق النقد، وأن نحب آل بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حبًا صادقًا، دون أن تتحول المحبة إلى مجرد مظاهر، وأن نجعل من سيرتهم مصدرًا للأخلاق والوعي والاقتداء.

في السادس من أكتوبر، نستعيد معنى النصر من تاريخ مصر، ونستعيد من سيرة الحسين معنى الثبات والكرامة والتضحية، ونستعيد من سيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- معنى الرحمة والهداية وحسن الخلق.

أما «الليلة الكبيرة» التي كانت في طفولتي عالما من الألوان والأصوات والروائح والموائد والمواكب، فقد أصبحت اليوم بالنسبة إليّ عالمًا آخر أيضًا؛ عالمًا من الذكريات والأسئلة والتأمل، ومن الحنين إلى القاهرة القديمة، ومن البحث عن المعنى الحقيقي للمحبة.

رحم الله شهداء مصر، ورحم الله الإمام الحسين وآل بيت رسول الله وصحابته والتابعين، وجعل محبتنا لهم محبةً تقودنا إلى الخير والحق والرحمة والكرامة، لا إلى مجرد الاحتفال بالمظاهر.

ففي النصر وفي سيرة الحسين نجد معنى الثبات ، وفي السيرة العطرة للمصطفى- صلى الله عليه وسلم- نجد معاني الرحمة والهداية و الرشاد.

 

اترك رد