خبير سياسي إيراني: انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة مطلب رئيسي لا تفاوض عليه

  • رئيس تحرير وكالة فارس للأنباء يكشف خطوط طهران الحمراء وحقيقة الادعاءات الأمريكية والاستعداد الإيراني للحرب 

مصطفى خوش جشم:

  • هرمز ليس أرضًا أمريكية ويستثنى العراق من حظر المرور لأنه لم يقف مع العدو

  • البرلمان الإيراني يدرس الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية

  • تحويل الملف الإيراني لمجلس الأمن ذريعة أمريكية لتبرير الضغط النووي 

  • واشنطن ستفتح على نفسها بوابات الجحيم حال لجوئها للسلاح النووي

 

حوار: مروة محي الدين

فيما يحبس العالم أنفاسه ترقبا لما يجري بين طهران وواشنطن، تضع الأولى خطوطها الحمراء في المفاوضات، فيما يطلق زعيم الأخيرة خطابات الانتصار، ويواصل التهديدات بالهجوم الكاسح.

د. مصطفى خوش جشم- الخبير السياسي الإيراني ورئيس تحرير وكالة فارس للأنباء سابقا

ومع تواتر القلق مما يحدث فتحنا هذا الملف مع الخبير السياسي الإيراني الدكتور “مصطفى خوش جشم”- رئيس التحرير السابق لوكالة فارس للأنباء- في حديث خاص لجريدة اليوم نعرضه في السطور التالية في إطار الحرص على إطلاع القارئ على الصورة كما يراها أصحابها، ودون تبني أي من المواقف الواردة فيه:

 

الخطوط الحمراء الإيرانية

 

  • خلال التصعيد العسكري الحالي والواسطات الإقليمية، أين تضع طهران خطوطها الحمراء غير القابلة للتفاوض أو التنازل؟

أكدت طهران مرارًا وتكرارا على أن أهم الخطوط الحمراء التي لا تقبل المساس بها هي: أولا رفع العقوبات، وكذلك حرية بيع النفط الخام، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتعويضات الحرب، ووقف الولايات المتحدة تدخلها في البرنامج النووي الإيراني، وتعهدها بعدم المساس بالحقوق النووية الإيرانية.

وكذلك إجلاء الولايات المتحدة من المنطقة على رأس تلك الخطوط الحمراء، وكذلك انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من لبنان، ووقف الأعمال العدائية الإسرائيلية فيها، والسلام في غزة، وإنها حصار اليمن ورفع العقوبات عنه.

وهي الحدود الدنيا من المطالب، وهي البنود التي لن تسمح للولايات المتحدة بتجاوزها بأي حال، فلن تنخرط إيران في أي نوع من المفاوضات على حساب تلك القضايا، وقد شددت مرارًا وتكرارا على أنها خطوط حمراء غير قابلة للتفاوض.

 

مضيق هرمز

  • فيما يتعلق بالأمن البحري بمضيق هرمز، كيف تتعاطى طهران مع المقترح الأمريكي المتعلق بالإدارة الدولية لحركة الملاحة فيه؟

بالنسبة للأمن البحري في مضيق هرمز، فالمقترح الأمريكي يفتقر إلى القيمة أو المصداقية ولا يحظى بالقبول، حيث لا تملك الولايات المتحدة أي حق في اتخاذ قرار بشأن هرمز.

فقد بقى المضيق لوقت طويل تحت سيطرة إيران، حيث تتولى مسؤوليته منذ قرون لا سيما خلال العقود الأخيرة، فتؤمن حرية المرور فيه، بسبب امتلاكها الشريط الساحلي الأطول من الخليج العربي مرورًا بمضيق هرمز ووصولاً إلى بحر عمان، وذلك مقارنة بالدول الساحلية الأخرى المطلة على الخليج العربي، وعليه تتولى مسؤولية تلك الأعمال، لا سيما وأنها تقع في المياة الإقليمية الإيرانية، على الرغم من أنها تتشارك المضيق مع عمان، ولأنها تفعل ذلك منذ وقت طويل لن توافق على أي من مطالب الولايات المتحدة- التي تبعد 10 آلاف ميل عن المضيق، وليس لها أي حق لطرح أي مقترح أو اتخاذ أي قرار بشأنه.

 

  • وأين الاتفاقيات المنظمة لحرية الملاحة البحرية الدولية من التحرك الإيراني في هرمز؟

بالنظر إلى الاتفاقيات البحرية الدولية، فإيران لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- UNCLOS- ولم تكن عضوًا فيها، وبالمثل عمان الواقعة على الجانب الآخر من المضيق، وعليه لا تسري الاتفاقية على مضيق هرمز.

وعلى جانب آخر، ثمة مادة في تلك الاتفاقية تتعلق بالمرور البرئ، وحتى إن كانت إيران عضوًا فيها فلا تسري تلك المادة على حالة الخليج العربي، لأنها تنص على توقف المرور البرئ مع إعلان الدولة الساحلية حالة الطوارئ، وهي هنا إيران الاي تعيش حالة حرب، وفي ظروف الحرب ليس ثمة مرور برئ حتى تنتهي، وعليه يحق لها حظر المرور منه بموجب تلك المادة.

لكني أوكد مرة أخرى أن إيران ليست عضوًا في تلك الاتفاقية، وفي ظل حالة الطوارئ لديها يمثل المضيق ورقة ضغط إستراتيجية وجيوبوليتيكية ضد الولايات المتحدة وحلفائها، حيث تستخدم الأخيرة تلك الدول الواقعة على الضفاف الجنوبية للخليج العربي وقواعدها العسكرية فيها في الهجوم على إيران، ومنها شنت الهجمات على الجيش الإيراني والمدنيين ومدرسة ميناب.

وعليه منعت واشنطن وشركائها من استخدامه باعتبارهم أعداء، يمكن أن يستخدموه لشن هجمات أو تعزيز قواعدهم العسكرية أو إصلاحها أو جني العوائد من المنطقة لمهاجمة الجمهورية الإسلامية، فيساعدهم في شن هجمات أكثر وأقوى عليها.

 

  • وهل من استثناءات في هذا القرار الإيراني؟

العراق هو الاستثناء من القرار، فلم يكن عضوًا في حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ولم يقدم المساعدة إليها، كما طرد القوات الأمريكية منه، فسمح له بعبور الممر المائي.

وبناء على ما سبق، يكون الحديث عن الإدارة الدولية لحركة الملاحة البحرية بلا معنى لإيران في ظل الظروف الحالية.

 

  • ادعى مسؤولون أمريكيون أن قواتهم البحرية تمكنت من إزالة الألغام البحرية من الممرات الرئيسية للمضيق، فما حقيقة الوضع العسكري والعملياتي فيه؟

يبدو هذا ادعاء زائفًا، حيث تستمر عمليات زرع الألغام البحرية في المضيق حتى الآن مثلما تستمر عمليات إزالة الألغام، وكلتا العمليتان تسيران بالتوازي مع بعضهما البعض، ومازلنا نسمع بين الحين والآخر عن اصطدام سفينة بلغم بحري بينما تحاول تجاهل القواعد الإيرانية بأن تسلك الممر الجنوبي فتتعرض لأضرار، فإن كانوا قد أزالوها كيف تضررت تلك السفن بفعلها؟

وعليه يتضح أن واشنطن تنسج ادعاءات زائفة ولا أساس لها من الصحة، فإما أنها فعلت أو أن إيران مازالت تزرع الألغام قي الوقت نفسه الذي تحاول هي فيه تفكيكها وإزالتها وتنظيف الممر المائي منها.

وبالنظر إلى أنها ليست متواجدة في المضيق، وقواتها البحرية تنتشر على بعد مئات الأميال من بحر عمان، فلن يمكنها إزالة الألغام، وجل ما يفعلونه أنهم يرسلون سفن النقل- ناقلات النفط وسفن البضائع والحاويات- لتسلك الممر الجنوبي، وبين حين وآخر تصطدم إحداها بلغم بحري، وبهذا تسعى واشنطن لإزالة الألغام على نفقة شركات تلك السفن أوعلى نفقة غيرها.

كما يستخدمون آلات تعمل تحت المياة لتحديد خريطة وجودها، لكنها محاولات غير مجدية بالمرة، حيث تغير إيران مواقع الألغام باستمرار، ولم تنجح إلا في إثارة الهجمات على أولئك الذين يعصون البروتوكول الإيراني، فالأمر لا يقتصر على الألغام فهناك المسيرات والصواريخ التي تضرب تلك السفن.

ومع انتشار القوات البحرية الأمريكية على بعد مئات الأميال من المضيق، أرسلت عددًا قليلا من القطع البحرية سواء التي تعمل فوق سطح البحر أو تحته- وقد عرضت إيران بعض لقطات لها- وكذلك أرسلت سفن أوتوماتيكية وأخرى بلا طواقم، وجميعا إما دمرت أو استولت عليها إيران لا سيما خلال الأسبوعين الماضيين، ومن هنا تكون أحاديثهم محض ادعاءات لتهدئة السوق.

 

  • كيف تقرأ طهران الرسائل الإستراتيجية خلف ادعاء “دونالد ترامب” مؤخرًا السيطرة على هرمز وتغيير اسمه؟

سبق وادعى “ترامب” ذات الإدعاءات عدة مرات خلال الشهور الستة المنصرمة، وفي الشهرين الأخيرين عقب إطلاق ادعاءات السيطرة ادعى أنه سيغير مسمى الممر المائي باعتباره أرض أمريكية إلى “مضيق ترامب”، وذلك محض زيف وجهد يبذله لتهدئة سوق الخام وأسعار النفط المرتفعة.

إذ يعلم “ترامب” تمام العلم أنه عاجلًا أم آجلًا سيتعين على الناس في جميع أنحاء العالم- لا سيما في الولايات المتحدة- أن يشتروا بزميل النفط الخام مقابل 150 دولار أو أكثر حال استمرت تلك الحرب، ومنذ اندلاع الحرب وإغلاق إيران مضيق هرمز راح يبذل قصارى جهده لتهدئة السوق عبر طرح الاحتياطي الإستراتيجي والدعاية والحرب النفسية التي يجيدها جدا.

وصدقا أقول أنه يكذب على مدار الساعة وفي كل الأوقات أو معظمها من أجل تهدئة السوق، الذي يعرف أنه بالنسبة له “كعب أخيل”- نقطة ضعفه، وعاجلا أو آجلًا سيتعين عليه دفع ثمنًا باهظًا حينما ترتفع أسعار النفط الخام لما يربو على 120 دولارًا للبرميل، وسيحدث ذلك عقب شهرين فقط من وصول الاحتياطي الإستراتيجي الأمريكي إلى النصف، الذي يقدر الآن بنحو 280 مليون برميل وما أن يهبط تحت 250 مليون برميل ستقفز الأسعار؛ ولعل ذلك السبب الذي يقف وراء ارتفاع أسعار الديزل بالإضافة إلى أسعار البترول هذه الأيام، حيث وصل الاحتياطي الإستراتيجي إلى مستويات حرجة.

لذا هو يحتاج إلى رفع مستوى حربه النفسية، فيزيد ادعاءاته على وسائل التواصل الاجتماعي وحديثه عن مضيق هرمز، لتعويض المفقود من الاحتياطي الإستراتيجي، وعلى جانب آخر يمتد أثر ارتفاع أسعار الخام لانتخابات التجديد النصفي، حيث تتراجع فرصة الحزب الجمهوري في الفوز بها، فيكون ثمن حربه باهظًا، لذا يبذل قصاري جهده ليضمن عدم خسارة الانتخابات، والحفاظ على الأسعار.

كما لم يجنِ “ترامب” شيء من تلك الحرب، فقد خسر كل معاركه: من تغيير النظام الإيراني، إلى تحطيم إيران، ثم تدمير القدرة النووية الإيرانية، وتدمير قدرة الصواريخ الباليستية الإيرانية والمسيرات وأخيرًا حصار إيران؛ فلم يجن أي شيء، لذا يحتاج إلى صناعة صورة ذهنية من خلال الدعاية ليزعم أنه حقق إنجازا في محصلة الأمر.

 

ضغوط بالملف النووي

  • كيف تؤثر إعادة الوكالة الذرية الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن على القرار السياسي لطهران؟

سيقابل تحويل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن برد فعل صارم من إيران، ففي الوقت الراهن يعكف بعض أعضاء البرلمان على صياغة مشروع قانون طارئ ثلاثي للانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ويدرسونه بعناية لاتخاذ قرار في هذا الصدد ردًا على تحرك الوكالة.

 

  • وهل تتوقع طهران أن يفعل ذلك آلية العودة التلقائية للعقوبات أو تصعيد العقوبات الاقتصادية الدولية؟

على مستوى الواقع العملي، لا يعني تحويل مجلس محافظي الوكالة الملف الإيراني لمجلس الأمن أي شيء، بسبب وجود روسيا والصين فتستخدمان حق الفيتو ضد أي قرار في هذا الصدد، على الأرجح لمنع تصعيد التوترات، فمع اتخاذ أي إجراء سيقابل ذلك برد فعل إيراني صارم قد يصل إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، ما يجنح بالصراع لمستويات أخرى.

كما لا ترغب الصين- التي تحتاج نفط الخليج العربي- في أن تشهد زعزعة كبيرة للأوضاع الراهنة، بشكل يتجاوز كثيرًا المستويات الحالية؛ فماذا يحدث حال عدم استخدام الفيتو ضد ما يصدر؟

إما سيخضعون إيران للمادة (41) من ميثاق مجلس الأمن، التي تنص على فرض عقوبات عليها، وقد سبق أن وقعوا عليها العقوبات القصوى، وحال تفعيلها لن يمكنهم الاستمرار في الحرب، كما أنها وقعت تحت العقوبات لمدة تزيد على 40 عامًا.

والأسوأ من عقوبات مجلس الأمن هي العقوبات الأمريكية والأوروبية لا سيما الأمريكية، فقد وقع الأمريكيون كافة ألوان العقوبات عليها بما يزيد عن الحاجة، ووقعت بعض القطاعات الاقتصادية الإيرانية تحت العقوبات الأمريكية لأربع مرات، أي بقواعد وقوانين مختلفة وكثيرة التكرار وبما يزيد عن الحاجة.

وهي الأسوأ لأنها آمضى من عقوبات مجلس الأمن، فإن حدت الدول الأخرى أنشطتها الاقتصادية مع إيران وقيدت تجارتها معها يكون ذلك بسبب العقوبات الأمريكية، ومع كافة أشكال العقوبات التي وقعوها سابقًا لن يمكن فعل ما هو أكثر.

فإن وضعوا إيران تحت المادة (42) وتحركوا تجاه الحرب، فعمليًا إيران في حالة حرب الآن، وقد هاجمت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بمساعدة دول أخرى إيران مرتين خلال العام الماضي، لذا ليس لدى مجلس الأمن أوراقًا للضغط على إيران أكثر.

وتلك أحد نقاط ضعفهم فقد استخدموا كل أوراق الضغط الممكنة ضد إيران، ولم يبق لديهم ما يحتفظون به لمثل تلك الأيام، وعلى الأرجح أنه مؤامرة أمريكية لإفساح المجال “لترامب” وإعطاءه الذريعة لتوجيه تهديد نووي لها، بينما من وجهة النظر القانونية استنادا إلى القانون الدولي والشرعية الدولية لا يمكن أن يخول هذا التحويل للولايات المتحدة الحق في فعل أي شيء من هذا القبيل، ولكننا اعتدنا منها ومن “ترامب” على خرق القوانين.

وحال اتجهت الولايات المتحدة وإسرائيل لتصعيد الموقف وتأزيمه، باللجوء للخيار النووي كما تلوحان يوميًا، ستواجهان بمراجعة إيران عقيدتها النووية، وتكون الخيارات لديها مفتوحة، وستفتحان بوابات الجحيم على نفسيهما.

وعما يقف وراء إجراء التحويل، فقد يكون اجتهادًا من “رفائيل جروسي”- رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي طالما خدم إسرائيل والولايات المتحدة علنًا ضد إيران، وطالما حُمِّلَ مسؤولية تمهيد الطريق لهجمات العام الآخير عبر تقرير مضلل للوكالة أخرجت المعلومات الواردة فيه عن سياقها، لذا سيكون التحويل لخدمة المساعي الشيطانية لكلتاهما؛ وهنا فنحن نتحرك في متاهة مجهولة الحدود، يمكن أن تؤدي بطهران في نهاية المطاف إلى مراجعة عقيدتها النووية حال إقدام واشنطن وتل أبيب على المخاطرة بشن هجوم نووي عليها.

 

الهجوم الأمريكي الكاسح 

  • ما تقييم طهران للتحذيرات التي يطلقها الرئيس الأمريكي وإدارته والتهديدات بهجوم كاسح على إيران عقب انتخابات التجديد النصفي؟

حسنًا، نحن نترقب ذلك، ونقف على أهبة الاستعداد لهجوم أمريكي- إسرائيلي علينا في أي يوم وأي لحظة، فالأمر وارد قبل الانتخابات أو بعدها، حيث نأخذ تلك التهديدات بجدية، سواء كانت موجهة إلينا أم لا، ونؤمن أنهم من المحتمل جدا أن يقدموا على هذا الفعل، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا أنهم شنوا هجومًا علينا مرتين بينما كنا منخرطين في مفاوضات مع الإدارة الأمريكية.

طهران تستعد استعدادًا تاما وشاملا لمواجهة لا تقتصر على الثأر ولكن حتى لتوسع نطاق الحرب لما هو أبعد من المنطقة، وحينها ستبذل إيران قوتها القصوى فيها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتسع المواجهة فتشمل المنطقة بأسرها، وتنتشر نيرانها داخلها وخارجها.

 

  • وما قدرات الردع التي قد توظفها طهران للتصدي لمثل ذلك الهجوم؟

هناك خيارات عدة متاحة أمام طهران، والإمكانات الإيرانية لا تقتصر على المنطقة فحسب، حيث يمكنها تجاوز حدودها، فمن المؤكد أن يتم استهداف مناطق الطاقة في المنطقة، وستطال النيران الإيرانية جميع المصالح الأمريكية فيها، وكذلك المصالح الأمريكية حول العالم، ولن تكتفي بالمصالح الأمريكية بل ستمتد إلى المصالح الإسرائيلية في شتى أنحاء العالم.

 

  • ثمة مقارنات بين التدخلات العسكرية الأمريكية في العالم والحالة الإيرانية، فلماذا لا تكرر واشنطن سيناريوهات الغزو السابقة في إيران؟

لأن إيران أكبر كثيرا من العراق أو أفغانستان، والجيش الأمريكي والإسرائيلي والعديد من حلفائهم لن يكون لديهم القوات الكافية لتنفيذ غزو بري داخل إيران، بما يعرض الأمريكيين لمخاطر كبيرة، حيث يعلمون أن القوات البرية الإيرانية أفضل كثيرًا من القوات الأخرى، ومن ثم ستكون قوات العدو في خطر محدق، وأقصى ما يستطيعون فعله أن يخططوا لإرسال جماعات إرهابية عابرة للحدود، ليشتبكوا مع الجيش الإيراني على الأرض من خلالها، وقد شرعوا في عمل ذلك مرتين من قبل وانهزموا فيهما.

ومن المستبعد أن تقدم واشنطن وحلفائها على مثل تلك المخاطرة الكبيرة، بتنفيذ هجوم بري شامل على إيران باستخدام قواتها الأساسية، بسبب كلفته العالية؛ لذا الحالة الإيرانية مختلفة تمامًا.

وفي الوقت نفسه، لا تملك العراق وسائل الرد وشجاعته، كما لا تملك أفغانستان التكنولوجيا المتطورة والمعدات التي تملكها إيران، حيث تمتلك تكنولوجيات صواريخ ومسيرات متقدمة للغاية أثبتت جدارتها؛ وتمتلك الجرأة والشجاعة لضرب الأمريكيين، وعلى سبيل المثال: منذ أسبوعين ضربت قطعتين حربيتين تابعتين لقوات البحرية الأمريكية، أحدها كانت حاملة طائرات والثانية كانت سفينة حربية باستخدام تقنية صاروخية جديدة كليا لم تنتشر بعد، إذ طورتها إيران وحدها، ولا تمتلكها أكثر من دولتين، كما لا تملك أكثر من ثلاثة إلى أربع دول فقط القدرة على ضرب قطع بحرية متحركة لا سيما حاملات الطائرات الأمريكية بكل ما يملكونه من تكنولوجيا.

وقد عملت إيران لعقود على التعامل مع الولايات المتحدة في أي مياة مثل مضيق هرمز، لأنها تعرف منذ 20-30 عامًا مضت أن ثمة حرب ستندلع مع الولايات المتحدة في نهاية المطاف، لذا طورت سيناريوهات مختلفة للتصدي للأمريكيين، وأنا على يقين أنه إن اندلعت حربًا أخرى في الخريف مثلًا فالتحرك الإيراني حيالها سيكون باستخدام أقصى درجات القوة لتضع نهاية حاسمة لها.

 

إطار الأمن القومي

  • بنهاية الحوار، ما الإطار الإيراني الشامل لحماية أمنها القومي وتحالفاتها الإقليمية من خطر التطويق طويل الأمد؟

تعمل إيران مع روسيا والصين ودوّل الجوار، حيث أننا الآن نمر بمرحلة انتقال موازين القوى من الحضارة الغربية للشرق- وفقًا لما طرحه متخصصون من جميع أنحاء العالم خلال العقد المنصرم، وأن عشرينيات القرن الحالي (2020- 2030) فترة الحروب، حيث ستولد تلك النقلة نظام عالمي جديد بمخاض مؤلم، تنهض فيه الدول الكبرى من الشرق، كما يتميز النظام العالمي الجديد بالتحالفات الإقليمية والدولية، وحين نتحدث عن التحالفات الدولية فنحن نتحدث عن البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.

وتسعى طهران للاستفادة من تلك التحالفات بشكل جيد، وتتخذ مزيدا من التدابير داخل هذا الإطار وتلك التحالفات، ووفقًا لما تردد أن الأعضاء البارزين في تلك التحالفات مثل: الصين وروسيا والهند وإيران سيكون لهم الدور الأكبر والقرارات الحاسمة، شريطة الانتصار في الحروب والاشتباكات القائمة مع الولايات المتحدة، وإن حدث ذلك ستحصل طهران على دورًا يفوق دورها الإقليمي الحالي، لتصبح لاعبًا عالميًا، كما سيقع على عاتقها مسؤوليات مختلفة وجديدة.

والدول مثل الصين وروسيا تعرف جيدًا ما سيحدث خلال الخمس أو الست سنوات القادمة، ويعرفون قدر كل دولة في مثل تلك الظروف المرتقبة مستقبلًا، فقد باتت مصالح الدول الثلاث وبعض الدول الأخرى متماشية مع بعضها أكثر من أي وقت مضى، لذا نجد الدولتين أكثر ميلاً لمساعدة إيران، فتدفع طهران وموسكو وبكين في اتجاه الوحدة والتضامن خلال السنوات القادمة بما يعود بالنفع على ثلاثتهم.

ولعل سياسة حسن الجوار واحدة من أهم ركائز الحكومة الإيرانية الحالية وما سبقتها من حكومات، وهو ما تعمل طهران على تعزيزه مع جاراتها، آملة أن تستطيع تطوير علاقات أفضل معها، حيث تسعى فعليا لتحسين علاقتها مع كل الدول.

أما بالنسبة لدول الخليج، فقد يكون الوضع مخلتلفًا قليلا معها، إذ يستضيفون القواعد الأمريكية ويقدمون لهم المساعدة والدعم في الهجوم على إيران والتحريض عليها، فبالطبع لن تقف طهران مكتوفة الأيدي، لكن خروج إيران منتصرة في هذه الحرب لا يعني أبدًا رغبتها في تدمير أي دولة أو استعمارها، وهي جادة تماما في مطالبها بإجلاء جميع القوات الأمريكية والإسرائيلية من على أراضي تلك الدول، لما تشكله من تهديد على إيران، كما أنها تطالب بتعويضات الحرب من تلك الدول.

وترى طهران أن الخليج العربي وبحر عمان ومضيق هرمز بيئة واحدة لجميع الدول المطلة عليها، ومن ثم تكون هناك مصالح مشتركة وتهديدات مشتركة، ولطالما عملت طهران على تشكيل تحالف مع تلك الدول، حيث بدأت منذ ثلاث أو أربع سنوات مضت إبان حكومة الرئيس “إبراهيم رئيسي” في دعوة الدول الثماني الساحلية لتأسيس تحالف أمني معها لحماية أمن المنطقة، بمعزل عن تدخلات الولايات المتحدة والدول الأخرى من خارج الإقليم، وسيبقى هذا مطلبها الثابت حال انتصرت في الحرب، أن الولايات المتحدة عليها الانسحاب من المنطقة، كما سبق وذكرت عن الخطوط الحمراء الإيرانية غير القابلة للتفاوض.

ومن هنا تسعى الجمهورية الإسلامية لتعزيز الأمن الإقليمي في المنطقة بعزل الدول القادمة من خارجها مثل: الولايات المتحدة عن الترتيبات الأمنية فيها، فكل بلد يمكن أن يكون له مصالح اقتصادية مشروعة في المنطقة ومصالح تجارية فيها، لكن الولايات المتحدة أثبتت أنها من يثير أزماتها؛ وترى طهران أنه متى انتهت تلك الحرب على الولايات المتحدة أن تغادر المنطقة، وتلتزم دول مجلس التعاون الخليجي بطرد عملاء الولايات المتحدة وإسرائيل وقواتهم منها.

قدم “جشم” قراءة تحليلية خاصة للمشهد عبر فيها عن رؤية أصحاب القضية لها، بما يظهر تمسك طهران بحقها في المقاومة والردع، ورفضها الوجود الغربي في المنطقة حفاظًا على أمنها الإقليمي، وبينما تتمسك بأوراق قوتها ترفض الضغوط المستمرة عليها، وتسعى من خلال تحالفاتها الدولية لتحييد وطأة تلك الضغوط، وقد عرضتها اليوم حسب ما ورد على لسان صاحبها دون أن تتبنى أي منها.

 

 

 

اترك رد