تقارير-و-تحقيقاتمقالات

د. سمر أبو الخير تكتب: العلامات الحمراء لتأخر النطق والكلام لدى الأطفال

حين يتلعثم الطفل أمام الكلمات الأولى، لا يقلق الأهل فقط على صوته، بل على مستقبله كله، لكن السؤال الذي يطارد كل أم وأب هو: متى يكون ما نراه «تأخّرًا طبيعيًا»؟ ومتى يصبح إنذارًا صريحًا بضرورة التدخّل الطبي والتأهيلي؟

منذ الشهور الأولى من العمر، يملك الطفل «خارطة طريق» تقريبية للنمو اللغوي، ففي نهاية العام الأول يُفترَض أن يستجيب لاسمه، يلتفت للصوت، يثرثر بمقاطع متكررة مثل «بابا» و«ماما» حتى لو بلا معنى واضح.

وعند عمر سنتين تقريبًا، يبدأ في تكوين جمل من كلمتين إلى ثلاث، ويستخدم حصيلة بسيطة من الكلمات للإشارة إلى الأشياء القريبة منه، وبعد الثالثة، يجب أن يتحوّل البيت إلى مساحة حوار حقيقي: أسئلة، إجابات، حكايات قصيرة، ومحاولات للتعبير عن المشاعر والرغبات.

بين هذه المحطات العمرية، تبرز «العلامات الحمراء» أو مؤشرات الخطر التي لا يجوز تجاهلها، ومن أهمها:

  •  طفل لا يلتفت عندما يُنادى باسمه، ولا يستجيب للأصوات العالية أو المفاجِئة.
  •  طفل لا يحاول حتى إصدار أصوات مناغاة في الشهور الأولى من عمره.
  •  طفل في سن السنتين لا ينطق أي كلمات مفهومة، ولا يستخدم الإشارة للتعبير عمّا يريد (مثل الإشارة إلى الماء أو اللعب).
  •  طفل في الثالثة لا يستطيع ربط كلمتين في جملة بسيطة، أو يبدو كأنه يعيش في عالمه الخاص؛ لا يشارك إخوته اللعب، ولا ينظر في عين من يحدّثه، ولا يدخل في حوار بسيط مع الكبار أو الصغار.

عند هذه النقطة، لا يكون تأخّر النطق «مرحلة وتعدّي»، بل قد يتحوّل إلى باب مفتوح على اضطراب أوسع في السمع أو اللغة أو التواصل، ما يستدعي تقييمًا مهنيًا مبكرًا وعدم الاكتفاء بالانتظار أو التبرير.

الخطر الحقيقي لا يكمن في تأخر النطق وحده، بل في ثقافة التقليل من شأنه، فكثير من الأسر تستسلم لعبارات من نوع «ابن خاله اتأخّر واتكلم فجأة» أو «هي لما تدخل الحضانة هتتفك» بينما تتآكل أمام أعينهم «النافذة الذهبية» للتدخل المبكر؛ تلك السنوات الثلاث أو الأربع الأولى التي يملك فيها العقل مرونة هائلة لبناء المسارات اللغوية والتواصلية.

ما يُهمل اليوم بدعوى «استنى شوية» قد يتحوّل غدًا إلى صعوبة في التعلّم، وانطواء اجتماعي، وجرح عميق في ثقة الطفل بنفسه.

التدخّل هنا لا يعني بالضرورة تشخيصًا مخيفًا أو وصمًا للطفل، التدخّل يعني أن تُقرّر الأسرة أن تأخذ قلقها على محمل الجد، زيارة لطبيب الأطفال لاستبعاد مشكلات السمع أو الأمراض العضوية، ثم اللجوء إلى أخصائي تخاطب (أو فريق متكامل عند الحاجة) لتقييم شامل لقدرات الطفل، كيف يسمع؟ كيف يفهم؟ كيف يعبّر؟ وكيف يتفاعل مع من حوله؟ في أحيان كثيرة، يكون الحل مزيجًا من جلسات منتظمة وتأهيل أسري بسيط، طريقة مختلفة للحديث مع الطفل، تقليل شاشات الموبايل، وزيادة وقت اللعب والحوار وجهًا لوجه.

ما يحتاجه الطفل المتأخر في الكلام قبل أي شيء هو بيئة ترى صمته نداءً للمساندة لا مناسبة للسخرية أو المقارنة، أن تقول الأم لنفسها، «ربما تأخّر… لكن ما زال أمامي فرصة لأساعده» وأن يرى الأب في «جلسة التخاطب» استثمارًا في مستقبل ابنه، لا بندًا زائدًا في قائمة المصروفات.

عند هذه اللحظة فقط، يتحوّل السؤال من: «هل سيتكلم ابني؟» إلى سؤال أعمق وأكثر إنسانية، هل سنمنحه نحن ما يستحقه من وقت واهتمام كي يجد صوته في هذا العالم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى