في سجل دولة التلاوة المصرية أسماءٌ صنعت لنفسها مكانةً خاصة، وأصواتٌ تجاوز صداها حدود المكان والزمان، لتظل تلاواتها شاهدًا على مدرسة مصرية راسخة في خدمة كتاب الله تعالى.
ومن بين هذه الأسماء يبرز القارئ الشيخ علي محمود فرج، الذي تحل اليوم ذكرى ميلاده، لتستعيد الساحة القرآنية جانبًا من مسيرته الحافلة بالتلاوة والتعليم والقراءات.
ولد الشيخ علي محمود فرج في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1947 بقرية قصاصين الأزهار التابعة لمركز أولاد صقر بمحافظة الشرقية، ونشأ في بيئة محبة للقرآن الكريم، فبدأ رحلته مع كتاب الله مبكرًا، وأتم حفظ القرآن الكريم في كتاب قريته وهو في الثانية عشرة من عمره.
ولم يتوقف شغفه عند حفظ القرآن، بل اتجه إلى علوم القراءات، وفي الخامسة عشرة من عمره انتقل إلى مدينة طنطا، حيث تلقى علوم القراءات على أيدي كبار شيوخها، حتى أتقنها وأصبح مؤهلًا لمواصلة رحلة علمية وقرآنية امتدت لعقود.
من لقاء المنشاوي إلى أثير الإذاعة
كانت إحدى المحطات المهمة في حياة الشيخ علي محمود فرج عام 1965، عندما أتيحت له فرصة القراءة أمام القارئ الكبير الشيخ محمد صديق المنشاوي بمدينة كفر صقر. وقد أثنى المنشاوي على تلاوته وشجعه، وكان لذلك اللقاء أثر واضح في بدايات الشيخ، الذي تأثر بالمدرسة المنشاوية في الأداء والتجويد.
واصل الشيخ مسيرته العلمية في القاهرة، فحصل على شهادة التخصص في القراءات عام 1979، ونال إجازة في القراءات العشر، ثم بدأت شهرته في الانتشار قارئًا للقرآن الكريم، بما امتلكه من إتقان للتلاوة وحسن في الأداء.
ومع اتساع حضوره، شارك في إحياء العديد من الليالي القرآنية والمناسبات الدينية في المساجد الكبرى، وكان من بينها مسجد الإمام الحسين، ومسجد السيدة زينب، والجامع الأزهر الشريف.
وعلى الجانب العلمي والمهني، عُيّن عام 1983 مدرسًا لعلوم القرآن والقراءات بالمعاهد الأزهرية، كما عمل مقيمًا للشعائر بالمجمع الإسلامي بالمنيل، ثم قارئًا للسورة بمسجد «الباشا» بالمنيل في القاهرة.
وفي العام نفسه، تقدم لاختبارات الإذاعة المصرية، فاعتمد قارئًا بها، وبدأ رحلته الإذاعية بتسجيل تلاوات «الخمس عشرة دقيقة»، ثم أتيح له قراءة قرآن الفجر على الهواء مباشرة، لتصل تلاوته إلى ملايين المستمعين عبر أثير الإذاعة.
وفي عام 1984، أُسندت إليه تلاوة قرآن صلاة الجمعة من مسجد «الباشا» بالمنيل، وبُثت تلاوته من سورة «طه» عبر الشبكات الإذاعية، لتصبح الإذاعة واحدة من أبرز المحطات التي وثقت صوته وحفظت جانبًا من تراثه القرآني.
سفير التلاوة المصرية خارج الحدود
لم تتوقف رحلة الشيخ علي محمود فرج عند حدود مصر، فقد اختارته وزارة الأوقاف ضمن القراء الذين أوفدتهم إلى عدد من الدول لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك، والمشاركة في المحافل والملتقيات الإسلامية، ليحمل معه صوت التلاوة المصرية إلى جمهور واسع خارج الوطن.
وشملت بعثاته الرسمية عددًا من الدول، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وكينيا وزيمبابوي، كما كانت له تجربة مميزة في فرنسا، حيث سجل القرآن الكريم كاملًا مجودًا للإذاعة الفرنسية.
وفي عام 1990، كرمه الأزهر الشريف تقديرًا لمسيرته في خدمة كتاب الله، وما قدمه من جهود في مجال التلاوة وتعليم علوم القرآن والقراءات.
وظل الشيخ علي محمود فرج حاضرًا في المشهد القرآني حتى رحيله في الرابع والعشرين من فبراير عام 2010، عن عمر ناهز 63 عامًا، بعد رحلة امتدت بين الحفظ والتجويد والقراءات والتعليم والإذاعة والبعثات القرآنية.
رحل الشيخ، لكن صوته لم يرحل؛ فقد بقيت تسجيلاته القرآنية والإذاعية شاهدة على مسيرته، كما ترك أثرًا في نفوس تلاميذه الذين تلقوا على يديه علوم القراءات والقرآن الكريم.
وفي ذكرى ميلاده، تستعيد وزارة الأوقاف سيرة أحد أعلام دولة التلاوة المصرية، تأكيدًا على أن مدرسة التلاوة المصرية لم تكن مجرد أصوات عابرة، وإنما مسيرة علم وتربية وإتقان، حمل أصحابها كتاب الله في صدورهم، ونقلوا جمال التلاوة المصرية إلى أجيال متعاقبة وإلى مسامع المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
رحم الله الشيخ علي محمود فرج، وجزاه خير الجزاء عما قدمه في خدمة كتاب الله تعالى، وجعل القرآن الكريم شفيعًا له، ورفع درجته في المهديين.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم