من بين رائحة الطين وحرارة الأفران، ما زالت عزبة المشهدي التابعة لمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية تحتفظ بإحدى أقدم الحرف التراثية وهي صناعة الفخار، التي توارثها الأهالي عن أجدادهم على مدار نحو 300 عام لتظل شاهدة على تاريخ طويل من العمل اليدوي والحرف التقليدية.
تشتهر عزبة المشهدي بصناعة الأواني الفخارية وعلى رأسها القلل وأواني الطهي والأدوات المنزلية المصنوعة من الطين، حيث ارتبط اسم العزبة بهذه الحرفة التي اعتمد عليها عدد من الأسر كمصدر للرزق، كما اعتاد الأهالي من مناطق مختلفة التوجه إليها لشراء المنتجات الفخارية التي يصنعها أبناء العزبة بأيديهم.

لم تكن صناعة الفخار بالنسبة لأهالي عزبة المشهدي مجرد مهنة وإنما أصبحت جزءا من تراث المكان وذاكرته، حيث انتقلت أسرار الحرفة من الأجداد إلى الأبناء ثم الأحفاد حتى يتعلم الصغار طرق التعامل مع الطين وتشكيله وتحويله إلى أوان وأدوات تستخدم في الحياة اليومية.
وبالرغم من التطور الكبير الذي شهدته الصناعات المختلفة وظهور المنتجات البلاستيكية والمعدنية، حافظ عدد من أبناء العزبة على مهنتهم القديمة وتمسكوا بها باعتبارها حرفة تراثية ارتبطت بتاريخ أسرهم ومجتمعهم.
تمر صناعة الفخار بعدة مراحل تبدأ بالحصول على المادة الخام، وهي الطين، ثم إعدادها وتجهيزها لتصبح قابلة للتشكيل، وبعد ذلك يقوم الحرفي بتشكيل الطين وتحويله إلى القلة أو الإناء بالشكل المطلوب باستخدام أدوات وطرق تقليدية توارثها أبناء المهنة.
وبعد الانتهاء من عملية التشكيل، تدخل القطع الفخارية إلى الفرن، حيث تتعرض لدرجات حرارة مرتفعة تساعد على تماسكها واكتسابها اللون الأحمر المميز للفخار، ثم تخرج من الفرن وتترك في الشمس حتى تستكمل مراحل تجهيزها، قبل طرحها للبيع في الأسواق.

وقال الحاج “أحمد بكير” أحد صانعي الفخار ل”اليوم” إن صناعة الفخار تحقق ربحا ماديا قليلا جدا، مشيرا إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج مع مرور الوقت جعل الاستمرار في المهنة أكثر صعوبة.
وأوضح أن صناعة القلة الواحدة تكلف الحرفي نحو 5 جنيهات، بينما يتم بيعها للتاجر بنحو 10 جنيهات، وهو ما يجعل هامش الربح محدودا للغاية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج وتكاليف المعيشة.
وأضاف أن هذا الربح لم يعد كافيا لتحمل أعباء الحياة اليومية، مؤكدا أن ارتفاع الأسعار أصبح يمثل ضغطا كبيرا على العاملين في هذه الحرفة، التي تعتمد بشكل أساسي على الجهد اليدوي والخبرة المتوارثة.
ومع ضعف العائد المادي وارتفاع تكاليف الإنتاج، بات مستقبل صناعة الفخار في عزبة المشهدي مهددا، خاصة مع عزوف الأجيال الجديدة عن تعلم المهنة والاتجاه إلى أعمال أخرى توفر دخلا أكبر واستقرارا أفضل.
ويرى العاملون في المهنة أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي في النهاية إلى اختفاء صناعة الفخار من العزبة، رغم كونها حرفة تراثية امتدت لأكثر من ثلاثة قرون.
ولا تتوقف أهمية صناعة الفخار عند كونها مصدرا للرزق، وإنما تمثل جزءا من التراث الشعبي المصري والحرف اليدوية التي تعكس قدرة الإنسان على تحويل المواد الطبيعية البسيطة إلى أدوات ومنتجات نافعة.
وتحتاج صناعة الفخار إلى مزيد من الاهتمام والدعم للحفاظ عليها من الاندثار، سواء من خلال توفير المواد الخام بأسعار مناسبة، أو دعم الحرفيين وتسويق منتجاتهم، أو إقامة المعارض والأسواق التي تتيح لهم الوصول إلى عدد أكبر من المستهلكين.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم