كتبت: غادة عصفور
لم تكن السينما المصرية يوماً فناً بصرياً خالصاً ينعزل عن شريانه السمعي، بل وُلدت هويتها الكبرى وتألقت على إيقاع النغم ودفء الحنجرة.
وعبر عقود طويلة شكّل الغناء ركناً بنيوياً في سردية الفيلم العربي، محولاً الأغنية من مجرد استراحة طربية عابرة إلى محرك درامي يختزل الصراع الإنساني ويفجر طاقة المشهد.

وفي ظل تحولات الصناعة وهيمنة الأنماط الاستهلاكية، تأتي مبادرة مهرجان الغردقة لسينما الشباب في دورته الرابعة باستحداث قسم “صوت السينما“ لتعيد طرح سؤال الهوية الغنائية في الفن السابع، عبر التفاتة نقدية واعية تعترف بالمطرب كشريك أصيل في بناء الصورة السينمائية وليس مجرد واجهة ترويجية، ليختار المهرجان “حمادة هلال” أحد أبرز نجوم الأغنية السينمائية كأول المحتفى بهم، هذه الخطوة تفتح الباب أمام قراءة نقدية وتاريخية لعلاقة الغناء بالفن السابع، وكيف تحولت الأغنية من مجرد فاصل ترفيهي إلى بطل درامي ومحرك أساسي لشباك التذاكر.
استحداث مهرجان الغردقة لقسم “صوت السينما” يكسر الجمود النقدي الذي حصر جوائز السينما طويلاً في قوالب تقنية بحتة وأهمل الأثر السمعي الخالد ، هذه المبادرة لا تكتفي بإنصاف تجارب الماضي ونجوم الحاضر، بل تفتح أفقاً جمالياً أمام أجيال السينمائيين الجدد لإعادة اكتشاف طاقات الصوت والموسيقى كعنصر تكويني لا غنى عنه في سحر الشاشة الكبيرة.

دور المهرجانات
هنا بأتي دور المهرجانات السينمائية لتدمج الغناء ضمن خطط فعالياتها بذكاء واحترافية ، ليتم الاحتفاء بأفضل شريط صوت، وأفضل أغنية موظفة درامياً ، بدلاً من الاكتفاء بالجوائز التقنية التقليدية ، وقد تكون هذه المبادرة هي خطوة جادة نحو إعادةإحياء الأفلام الغنائية وترميمها ، وعرض كلاسيكيات السينما الغنائية بجودة صوت حديثة وندوات تحليلية توضح كيفية توظيف الأغنية في خدمة السيناريو ، واستحداث مزيد من المسابقات والفئات المستقلة المخصصة لأغاني الأفلام.

التأكيد على أهمية العنصر الغنائي في العمل السينمائي بوجود مثل هذه الأقسام والتكريمات في مهرجانات سينمائية متخصصة قد يطرح أفكاراً إبداعية جديدة داخل أروقة مهرجانات السينما ، مثل إقامة ورش عمل متخصصة لصناع الأفلام الشباب حول كيفية بناء وتأليف الأغنية الدعائية والدرامية لأفلام السينما ، بالإضافة إلى فتح المجال لتكريم الرموز المزدوجة والاحتفاء بنجوم جمعوا بين الأداء الصوتي والتمثيل المقنع، كما في تجربة حمادة هلال الذي قدم نماذج سينمائية مزدوجة مثل “حلم العمر“ و”اعيال حبيبة”.. وغيرها.
إلقاء الضوء على نجوم الأغنية في السينما لا يمثل مجرد احتفاء تقليدي بمسيرة فنان، بل هي قراءة لظاهرة “المطرب الممثل” في سينما الألفية، هذا النوع من التكريم يوجه رسالة نقدية بالغة الأهمية لصناع السينما الشباب بأن الأغنية السينمائية ليست عنصراً دخيلاً يُقحم لرفع مبيعات التذاكر، بل هي أداة درامية رفيعة توازي في قيمتها زاوية الكاميرا وأداء الممثل وحبكة السيناريو.

محطات الغناء في السينما
وتمتد العلاقة الغنائية السينمائية لأجيال بعيدة، بدأت من العصر الذهبي لمحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وفريد الأطرش، مروراً بمرحلة الواقعية والرومانسية مع عبد الحليم حافظ وشادية، وصباح ومحمد فوزي وليلى مراد ، ثم جيل الثمانينياتوالتسعينيات التي تصدرها محمد منير، ومدحت صالح، وبعدها جاءت سينما الألفية والشباب بنجومها حمادة هلال ومصطفى قمر وتامر حسني، ومحمد فؤاد وخالد سليم في توظيف للأغنية كعنصر ترويجي وتعبيري يخاطب نبض ولغة جيل الشباب مباشرة.
وإذا كانت بعض الأغنيات تعد سينمائياً بهدف الدعاية للفيلم فإنها تتخطي أحياناً مرحلة الدعاية وتصل نحو الخلود، فقد أثبتت السينما المصرية أن الأغنية قد تعيش أطول من الفيلم نفسه في وجدان الجمهور إذا وُظفت بصدق؛ فأغنيات مثل “حاجة غريبة“ لعبد الحليم وشادية، أو “علّي صوتك“ لمحمد منير في فيلم المصير، لم تكن مجرد استعراضات، بل هي حالة درامية كاملة.


موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم