بقلم /إسراء السخاوي
في كل مرة تهز فيها جريمة اعتداء على طفل الرأي العام، يعود السؤال ذاته أكثر إلحاحًا: لماذا لا تزال الطفولة تدفع ثمنًا باهظًا لجرائم كان يمكن منعها؟ فالمأساة لا تتوقف عند واقعة تنتهي بتحقيق أو حكم قضائي، بل تمتد آثارها إلى سنوات من الألم النفسي وفقدان الأمان، وربما إلى حياة كاملة تغيرت ملامحها بسبب لحظات من الانتهاك.
لم تعد هذه الجرائم أحداثًا استثنائية، بل بات تكرارها يفرض على الجميع مراجعة حقيقية لوسائل حماية الأطفال، والانتقال من رد الفعل بعد وقوع الجريمة إلى الوقاية قبل حدوثها.
الضحية التي تخشى الكلام
أكثر ما يضاعف قسوة هذه الجرائم أن الضحية غالبًا لا تمتلك القدرة على شرح ما تعرضت له، أو حتى إدراك أن ما حدث يمثل اعتداءً. وقد يختار الطفل الصمت خوفًا من التهديد، أو خشية ألا يصدقه أحد، أو لأن المعتدي شخص قريب منه أو يحظى بثقة أسرته.
هذا الصمت لا يعني أن الجريمة انتهت، بل قد يكون بداية لمعاناة نفسية عميقة، تظهر في صورة خوف دائم، أو اضطرابات سلوكية، أو فقدان الثقة بمن حوله، وهي آثار قد تستمر طويلًا إذا لم يتلقَّ الطفل الدعم والرعاية المناسبة.
الخطر قد يكون داخل الدائرة الآمنة
الاعتقاد بأن الغرباء وحدهم يمثلون مصدر التهديد لم يعد يعكس الواقع. فكثير من الوقائع تثبت أن المعتدي قد يكون من المحيط القريب للطفل، أو من الأشخاص الذين يتعامل معهم بصورة متكررة داخل الأسرة أو المدرسة أو النادي أو أماكن الأنشطة المختلفة.
لذلك، فإن التوعية لا ينبغي أن تقوم على التخويف فقط، بل على بناء وعي صحي لدى الطفل، يعلمه احترام خصوصية جسده، وحقه في رفض أي تصرف غير مقبول، وأن طلب المساعدة حق لا يستوجب الخوف أو الخجل.
وبالتوازي مع ذلك، تحتاج الأسر إلى تعزيز الحوار مع أبنائها، والانتباه لأي تغيرات نفسية أو سلوكية قد تستدعي التدخل المبكر.
عندما يكون المعتدي طفلًا
من القضايا التي تتطلب تعاملًا دقيقًا، وقوع اعتداءات بين الأطفال، خاصة إذا صاحبها فارق في العمر أو القوة أو القدرة على التأثير.
ولا يجوز التقليل من شأن هذه الوقائع أو اعتبارها مجرد تصرفات عابرة إذا تضمنت إكراهًا أو استغلالًا أو انتهاكًا لخصوصية طفل آخر.
وفي المقابل، فإن التعامل مع الطفل مرتكب السلوك يجب أن يتم من خلال مختصين، بما يحقق حماية الضحية، ويعالج أسباب السلوك، ويحول دون تكراره، مع مراعاة سن الطفل ومسؤوليته القانونية.
لا تجعلوا الصمت ينتصر
من أخطر ما قد يواجهه الطفل بعد الاعتداء أن يُجبر على الصمت حفاظًا على سمعة الأسرة أو تجنبًا للحرج الاجتماعي.
لكن الحقيقة أن إخفاء الجريمة لا يحمي أحدًا، بل يمنح المعتدي فرصة للإفلات من المساءلة، وربما تكرار فعلته بحق أطفال آخرين.
فلا صلة قرابة، ولا مكانة اجتماعية، ولا أي اعتبارات أخرى يمكن أن تكون مبررًا للتستر على جريمة تمس براءة طفل.
حماية تبدأ قبل وقوع الجريمة
رغم أن القانون المصري يتضمن نصوصًا تجرّم الاعتداءات الجنسية على الأطفال، فإن الحماية الفاعلة لا تتحقق بالعقوبات وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل التوعية، وسهولة الإبلاغ، وسرعة الاستجابة، وتوفير الدعم النفسي والقانوني للضحايا، مع ضمان إجراءات تحقق العدالة وتحافظ في الوقت نفسه على كرامة الطفل وخصوصيته.
كما أن المدارس والحضانات والأندية وجميع المؤسسات التي تتعامل مع الأطفال مطالبة بتطبيق سياسات واضحة للحماية، وتدريب العاملين بها على التعامل مع أي بلاغ أو شبهة اعتداء بمهنية ومسؤولية.
رسالة إلى المجتمع
حماية الأطفال ليست مسؤولية الأسرة وحدها، ولا الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من كل بيت، وتمتد إلى المدرسة، والإعلام، والمؤسسات، والمشرّع، وكل فرد في المجتمع.
ويجب أن تصل إلى كل طفل رسالة واضحة:
إذا تحدثت… سننصت إليك.
إذا شعرت بالخوف… سنقف إلى جوارك.
وإذا تعرضت للأذى… فلست مسؤولًا عما حدث.
فالطفولة ليست مرحلة عابرة يمكن تعويضها، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الإنسان والمجتمع.
ولهذا، فإن حماية الأطفال ليست رفاهية ولا شعارًا، بل واجب أخلاقي وقانوني وإنساني، لأن المجتمع الذي يحمي أطفاله اليوم، يحمي مستقبله غدًا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم