عبد الرحمن الزيد من مؤتمر الإفتاء: الأسرة صمام الأمان الأخلاقي ووعاء الهوية الدينية والوطنية

أكد الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الزيد، نائب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، أمين المجمع الفقهي الإسلامي، نيابةً عن معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، أن الأسرة تواجه اليوم شبكة متداخلة من التحديات الكبرى التي تعيد تشكيل أنماط السلوك والعلاقات.

مشددًا على أن المقاربة الإفتائية تكتسب أهمية متزايدة في ظل هذه التحولات؛ لأنها لا تكتفي بتوصيف المشكلات أو تقديم الوعظ العام، وإنما تسعى إلى ملامسة الواقع المتغير مع الحفاظ على الثوابت الشرعية.

جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، برعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.

والمنعقد تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة نخبة من المفتين والوزراء والعلماء وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من نحو 80 دولة حول العالم.

الأسرة.. من قضية اجتماعية إلى تحدٍّ حضاري عالمي

وأوضح الزيد أن الحديث عن الأسرة في العصر الراهن لم يعد شأنًا اجتماعيًّا تقليديًّا أو قضية تربوية محدودة، وإنما تحول إلى قضية حضارية كبرى تتقاطع فيها السياسات العالمية مع التحولات التكنولوجية والثقافية والاجتماعية المتسارعة.

وأشار إلى أن الله سبحانه وتعالى جعل الأسرة موطنًا للسكن والمودة والرحمة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، مؤكدًا أن الأسرة ميثاق غليظ ومؤسسة أخلاقية وتربوية تتشكل داخلها شخصية الإنسان، وتتأسس فيها قيم الرحمة والمودة وحسن التعامل مع الآخرين.

وشدد على أن الأسرة الصالحة تمثل أساس الاستقرار الاجتماعي، وصمام الأمان الأخلاقي، ووعاء الهوية الدينية والوطنية، باعتبارها البيئة الأولى التي يتلقى فيها الإنسان قيمه ومبادئه، ومنها تنطلق نواة الإنسان الصالح الذي يسهم في بناء مجتمعه.

ولفت إلى أن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم لم تعد تتحرك بوتيرة بطيئة تسمح للمجتمعات باستيعابها تدريجيًّا، وإنما باتت تتدفق بسرعة كبيرة عبر الشاشات والمنصات الرقمية ومختلف الوسائل التكنولوجية، الأمر الذي أفرز تحديات جديدة أمام الأسرة، من بينها تراجع مركزيتها في الوعي المجتمعي، وضعف مهارات الحوار داخل المنزل، واتساع الفجوة بين الأجيال، وظهور أنماط رقمية جديدة تعيد تشكيل الوعي والذوق العام.

خوارزميات المنصات تعيد تشكيل الوعي

وأوضح نائب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي أن خوارزميات المنصات الرقمية أصبحت تؤثر في ترتيب الأولويات، وتمتد إلى مجالات التربية والتعليم والإرشاد الأسري والعلاقات الإنسانية، وهو ما يفرض تساؤلات عميقة حول كيفية حماية الأسرة في عالم تقني سريع التغير.

وأكد أن التعامل الشرعي الرشيد مع التكنولوجيا لا يقوم على الرفض المطلق، موضحًا أن العقل الشرعي لا يغلق أبواب النفع والتقدم، لكنه يرفض أن تتحول التقنية إلى وسيلة تهدد كرامة الإنسان أو تضعف الروابط الأسرية، بحيث تنتقل الحياة من «حضن الوالدين» إلى فضاء رقمي بلا حدود.

وشدد على أن قضايا الأسرة لا يمكن معالجتها بمعزل عن سياقاتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، مؤكدًا أن فهم الواقع أصبح ضرورة أساسية لصناعة خطاب إفتائي قادر على تقديم حلول واقعية للتحديات المستجدة.

وأكد الزيد أن حماية الأسرة وصون الهوية يحتاجان إلى مشروع علمي متكامل تشارك فيه المنظمات الدولية والمجامع الفقهية ومراكز علم النفس والإعلام وغيرها من المؤسسات ذات الصلة، مشددًا على ضرورة بناء خطاب يتجاوز العموميات ويستجيب للتحولات الفعلية التي يعيشها المجتمع.

وحذر من الوقوع في مسارين متقابلين؛ أولهما الانغلاق الذي يعزل الأسرة عن العالم ومتغيراته، وثانيهما الذوبان الذي يفقد الأجيال خصوصيتها ويقطعها عن جذورها، مؤكدًا أن صون الهوية داخل الأسرة يتحقق من خلال المشاركة الواعية في تحولات العصر، دون التفريط في الثوابت والقيم.

وتطرق خلال كلمته إلى وثيقة رابطة العالم الإسلامي التي قُدمت للعالم بهدف بناء الجسور بين المذاهب، وصاغها عدد من علماء الأمة وأُعلنت بجوار الكعبة المشرفة، مشيرًا إلى ما تضمنته من موضوعات حيوية تمس واقع المسلمين في قضاياهم العامة والخاصة، ومن بينها قضايا الأسرة، باعتبارها نواة المجتمع وأحد أهم المرتكزات في بناء القيم والتربية.

وفي ختام كلمته، شدد نائب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي على أهمية أن ينتقل المؤتمر من مرحلة التوصيات إلى الاستجابات العملية على أرض الواقع، مع مراعاة اختلاف السياقات الاجتماعية والثقافية، وإنشاء مراصد علمية متخصصة، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الشرعية والتقنية، إلى جانب وضع مواثيق أخلاقية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجالي التنشئة والتعليم.

وأكد أن حماية الأسرة في زمن التحولات الكبرى لم تعد مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما تتطلب تكامل الجهود العلمية والإفتائية والاجتماعية والتقنية، بما يحفظ تماسك الأسرة، ويصون هوية الأجيال، ويعزز استقرار المجتمعات.

احمد فؤاد عثمان محرر أخبار [ الملف الديني ] { وزارة الأوقاف و دار الإفتاء المصرية }

اترك رد