كشفت سلسلة الاغتيالات التي نفذتها الولايات المتحدة ضد شخصيات بارزة في إيران عن طبيعة النظام الإيراني القائم على بنية مؤسسية معقدة، تتجاوز مفهوم الحكم الفردي أو الأوتوقراطي التقليدي.
وأظهرت التطورات الأخيرة أن مؤسسات الدولة الإيرانية، وفي مقدمتها الحرس الثوري والأجهزة السياسية والأمنية، تمتلك قدرة عالية على إعادة ترتيب مراكز القيادة واستمرار إدارة الدولة، رغم استهداف شخصيات تمثل أعمدة أساسية في هرم السلطة.
كما عكست هذه الأحداث حجم التراكم التنظيمي والأيديولوجي الذي رسخته الجمهورية الإسلامية منذ قيام الثورة عام 1979، مستندة إلى شبكة مؤسسات مترابطة وشحنة قومية تسعى إلى حماية النفوذ الإيراني وتعزيز حضوره الإقليمي، ضمن مشروع يستحضر البعد التاريخي لإيران في صياغة أدوارها السياسية والاستراتيجية.
في ضوء ما سبق؛ تناقش “اليوم” مع الباحث الجزائري دماني مصطفى كمال، المتخصص في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، العوامل المؤثرة في التماسك المؤسساتي الإيراني خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية.
تماسك المؤسسات الإيرانية
يرى الباحث دماني أن الحرب الأخيرة التي تعرضت لها إيران كشفت عن طبيعة النظام الإيراني القائم على بنية مؤسساتية متماسكة، تتجاوز مفهوم الحكم الفردي التقليدي، مشيرًا إلى أن سلسلة الاغتيالات والضربات العسكرية لم تؤدِّ إلى انهيار مؤسسات الدولة أو تعطيل منظومة صنع القرار.
وأوضح دماني أن النظام الإيراني بُني منذ ثورة عام 1979 على شبكة مترابطة من المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية والدينية، تعمل ضمن هيكل مركزي يخضع لسلطة المرشد الأعلى، لكنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة كبيرة على إعادة ترتيب مراكز القيادة والتكيّف مع الأزمات، وهو ما ظهر بوضوح خلال الحرب الأخيرة.
فيما أشار الباحث إلى أن العقوبات الأمريكية المتواصلة على إيران منذ عقود لم تحقق أهدافها بإسقاط النظام أو إضعافه بالشكل المتوقع، بل دفعت طهران إلى تطوير نموذج اقتصادي قائم على الاكتفاء الذاتي وتعزيز الإنتاج المحلي والبحث عن بدائل تجارية خارج المنظومة الغربية.
وأضاف أن إيران استطاعت، عبر ما يُعرف بـ”اقتصاد المقاومة”، تقليل اعتمادها على النفط تدريجيًا، مع توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا ودول آسيا، فضلاً عن تطوير قطاعات الصناعة والزراعة والبتروكيماويات، بما مكّنها من امتصاص جزء كبير من تداعيات العقوبات الغربية.
الصبر الاستراتيجي
على صعيد متصل، بيّن دماني أن أحد أهم أسباب تماسك النظام الإيراني يتمثل في تبنيه عقيدة “الصبر الاستراتيجي”، وهي سياسة تقوم على امتصاص الضغوط وكسب الوقت وإدارة الصراع طويل الأمد، بدلاً من الدخول في مواجهات مباشرة غير محسوبة مع القوى الكبرى.
وأكد أن هذه العقيدة تشكلت نتيجة تراكم الخبرات الإيرانية منذ الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بالحروب الإقليمية المختلفة، وصولاً إلى المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث اعتمدت طهران على استنزاف الخصوم وإرباكهم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
الردع غير المتكافئ
في الجانب العسكري، أوضح الباحث الجزائري أن إيران تبنت استراتيجية “الردع غير المتكافئ”، بسبب إدراكها لصعوبة منافسة الولايات المتحدة وإسرائيل في القدرات العسكرية التقليدية، لذلك ركزت على تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
وأشار إلى أن العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على منع الخصم من تحقيق السيادة الجوية أو الوصول السريع إلى العمق الإيراني، من خلال شبكة دفاعات جوية متطورة وقدرات صاروخية قادرة على إرباك أي هجوم واسع النطاق.
وأضاف أن الحرس الثوري الإيراني يشكل العمود الفقري لهذه الاستراتيجية، سواء داخل إيران أو عبر الأذرع الحليفة في المنطقة، موضحًا أن طهران اعتمدت خلال السنوات الماضية على بناء شبكات نفوذ إقليمية ضمن مفهوم “الحرب غير المتكافئة”.
التعبئة الشعبية
في السياق نفسه، اعتبر دماني أن العامل الديني لعب دورًا محوريًا في تعزيز التماسك الداخلي، إذ استخدمت القيادة الإيرانية الخطاب الديني والثوري لحشد الجماهير وتعبئة الشارع الإيراني في مواجهة الضغوط الخارجية، مستندة إلى مفاهيم “الصمود” و”المقاومة” و”الدفاع عن السيادة الوطنية”.
وأوضح أن النظام الإيراني نجح في توظيف الشعور القومي والخوف من الفوضى والانهيار لإقناع قطاعات واسعة من المجتمع بالالتفاف حول مؤسسات الدولة خلال فترات التصعيد العسكري، رغم الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
الدعم الصيني والروسي
في ما يتعلق بالعوامل الخارجية، أكد الباحث أن الدعم الصيني والروسي ساهم بدرجات متفاوتة في تعزيز قدرة إيران على الصمود، سواء عبر توفير التكنولوجيا والمكونات الصناعية أو من خلال التعاون العسكري والاقتصادي والسياسي.
وأشار إلى أن الصين لعبت دورًا مهمًا في مساعدة إيران على تطوير الصناعات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى توسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية.
كما لفت إلى أن روسيا استفادت بدورها من الخبرات الإيرانية في مجال الطائرات المسيّرة خلال الحرب الأوكرانية، مقابل تقديم دعم تقني واستخباراتي لطهران، خصوصًا في ما يتعلق بتطوير التكتيكات العسكرية وأنظمة التوجيه والمراقبة.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
