مع عودة الطلاب إلى المدارس وانطلاق عام دراسي جديد، تتجدد مسؤولية الأسرة والمدرسة معًا في بناء شخصية الطالب، ليس فقط من خلال التحصيل الدراسي، وإنما أيضًا عبر ترسيخ السلوك القويم، واحترام الآخرين، والالتزام بالآداب العامة، والقدرة على التعامل مع الزملاء بصورة راقية تحول دون الانجرار إلى المشكلات والخلافات.
فالمدرسة ليست مكانًا لتلقي العلوم والمناهج الدراسية فحسب، وإنما مؤسسة تربوية تسهم في تشكيل وعي الطالب وبناء شخصيته، بينما تمثل الأسرة البيئة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء قيم الاحترام والانضباط وتحمل المسؤولية.
ومع بداية الدراسة، ينبغي أن تضع الأسرة أبناءها أمام مسؤولية واضحة تجاه مستقبلهم، وأن توضح لهم أن النجاح لا يقاس بالحصول على الدرجات فقط، وإنما يتحقق بالجمع بين العلم والأخلاق والسلوك الجيد.
ومن المهم أن تتابع الأسرة انتظام أبنائها في الدراسة، واهتمامهم بالواجبات والمذاكرة، واحترامهم للمدرسين والعاملين في المدرسة، إلى جانب توعيتهم بأهمية اختيار الأصدقاء، والابتعاد عن المشاجرات والخلافات التي قد تبدأ بموقف بسيط ثم تتطور إلى عواقب يصعب تداركها.
كما يجب تعليم الطلاب أن الاختلاف مع الزميل لا يعني الخصومة، وأن الحوار والهدوء والاحترام تظل الوسائل الأكثر أمانًا ورقيًا للتعامل مع الخلافات، بعيدًا عن الاستجابة للاستفزاز أو اللجوء إلى العنف.
وتزداد أهمية الإجراءات الوقائية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، بما يساعد على توفير بيئة مدرسية آمنة، ومن بينها الالتزام بالإجراءات المنظمة لدخول الطلاب إلى المدارس، وإجراء التفتيش الوقائي وفق اللوائح والقواعد القانونية، وبطريقة تحفظ كرامة الطالب وحقوقه، بهدف الحد من إدخال أو حيازة الأسلحة البيضاء أو أي أدوات يمكن استخدامها في الاعتداء.
وتكشف بعض وقائع الاعتداء بين الطلاب عن خطورة وصول الأسلحة البيضاء إلى البيئة المدرسية، إذ قد تبدأ الواقعة بخلاف أو مشادة بسيطة، ثم تتطور إلى اعتداء باستخدام أداة حادة، وقد تسفر في بعض الحالات عن وفاة أو إصابات بالغة تترك آثارًا طويلة على الطالب وأسرته.
ولا يمكن الجزم بأن كل حادث كان من الممكن منعه بإجراء واحد، لكن الحد من احتمالات وقوع هذه الوقائع يتطلب منظومة متكاملة تبدأ من التوعية والتربية داخل المنزل، وتمتد إلى التثقيف السلوكي داخل المدرسة، والمتابعة المبكرة للطلاب، وتطبيق الإجراءات الوقائية التي تسمح بها القواعد المنظمة للعمل المدرسي.
وتحتاج العملية التعليمية كذلك إلى تواصل مستمر بين المدرسة والأسرة، بحيث لا تنتظر الأسرة نهاية الفصل الدراسي لمعرفة مستوى ابنها أو التعرف على المشكلات التي قد تواجهه.
ومن المفيد أن تتبنى المدارس آليات واضحة للتواصل الدوري مع أولياء الأمور، يتم من خلالها إطلاعهم على مستوى التحصيل الدراسي للطالب، ومدى انتظامه، إلى جانب الملاحظات المتعلقة بسلوكه وتعامله مع زملائه ومدرسيه.
فالتواصل المبكر يتيح اكتشاف المشكلات في بدايتها، قبل أن تتحول إلى سلوك متكرر أو مشكلة أكبر، كما يمنح الأسرة فرصة للمشاركة الفعلية في علاج أي تقصير دراسي أو سلوكي، ويجعل مسؤولية التربية أكثر تكاملًا بين البيت والمدرسة.
وتظل التربية السلوكية جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، من خلال البرامج والأنشطة التي تساعد الطلاب على فهم معنى الاحترام والانضباط والحوار وتقبل الاختلاف، ومواجهة التنمر والعنف، والحفاظ على الممتلكات العامة، واحترام قواعد المدرسة.
فالطالب الذي يتعلم كيف يحترم زميله، ويقدر معلمه، ويحافظ على مدرسته، ويتعامل مع الخلاف بعقلانية، لا يكتسب فقط سلوكًا جيدًا داخل المدرسة، وإنما يكتسب مهارات وقيمًا يحتاج إليها في حياته ومستقبله.
إن عودة المدارس ليست عودة إلى الكتب والفصول فقط، وإنما فرصة لتجديد الشراكة بين الأسرة والمدرسة من أجل بناء جيل يجمع بين العلم والأخلاق، ويعرف أن التفوق الحقيقي لا يرتبط بالدرجات وحدها.
فالتعليم الحقيقي لا يصنع طالبًا متفوقًا في الامتحان فحسب، وإنما يصنع إنسانًا يعرف حقوقه وواجباته، يحترم الآخرين، يضبط انفعالاته، ويتحمل مسؤولية أفعاله، ويحسن استخدام ما يتعلمه في خدمة نفسه ومجتمعه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم