تحل اليوم السبت ذكرى وفاة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، الذي ترك بصمة بارزة في تاريخ المؤسسة الأزهرية، بفضل مسيرته العلمية والدعوية ومواقفه التي عكست تمسكه بدور الأزهر في نشر صحيح الدين، والدفاع عن قضايا المسلمين، وتعزيز مكانة التعليم الأزهري في المجتمع.
ويُعد الشيخ عبد الحليم محمود أحد أبرز الشخصيات التي تولت مشيخة الأزهر في مرحلة اتسمت بالتحديات، إذ عمل على استعادة مكانة المؤسسة الدينية وتوسيع انتشار المعاهد الأزهرية، إلى جانب اهتمامه بالتصوف والفلسفة الإسلامية، وإسهاماته الفكرية التي تجاوزت ستين مؤلفًا في مجالات متعددة.
ولم تقتصر مسيرته على الجانب العلمي والديني فحسب، بل امتدت إلى المواقف الإنسانية والقضايا العربية والإسلامية، حيث كان يتابع الأزمات التي تتعرض لها الشعوب، ويصدر البيانات التي تدعو إلى وقف العنف وإراقة الدماء، ومن بينها موقفه من الحرب الأهلية في لبنان، التي دعا أطرافها إلى تغليب لغة الحوار والحفاظ على أرواح الأبرياء.
وُلد الشيخ عبد الحليم محمود في الثاني من جمادى الأولى عام 1328 هجرية، الموافق 12 مايو 1910، بعزبة أبو أحمد في قرية السلام، التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، ونشأ في أسرة كريمة عُرفت بالصلاح والتقوى والاهتمام بالقيم الدينية.
وكان والده ممن تلقوا قدرًا من التعليم الأزهري، وإن لم يستكمل دراسته فيه، وهو ما أسهم في تهيئة الأجواء التي نشأ فيها الشيخ محبًا للعلم والمعرفة، ومقبلًا على دراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية منذ سنواته الأولى.
حفظ عبد الحليم محمود القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر الشريف عام 1923، ليبدأ رحلته في طلب العلم داخل واحدة من أعرق المؤسسات العلمية والدينية في العالم الإسلامي. وتمكن خلال سنوات دراسته من التعمق في العلوم الشرعية واللغوية، حتى حصل على الشهادة العالمية عام 1932، مواصلًا بذلك مسيرته العلمية التي مهدت له لاحقًا تولي عدد من المناصب الأكاديمية والدينية المهمة.
لم يتوقف طموح الشيخ عبد الحليم محمود عند حدود الدراسة الأزهرية، بل قرر استكمال تعليمه العالي في الخارج، فسافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة، في خطوة عكست حرصه على توسيع مداركه العلمية والانفتاح على المناهج الفلسفية والفكرية المختلفة.
وخلال وجوده في فرنسا، واصل دراساته المتخصصة حتى حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عام 1940، عن دراسته لشخصية الحارث المحاسبي، أحد أبرز أعلام الفكر والتصوف الإسلامي.
وقد مثلت هذه المرحلة محطة مهمة في تكوينه الفكري، إذ جمعت دراسته بين التأصيل الديني والبحث الفلسفي، وهو ما انعكس لاحقًا على مؤلفاته التي تناولت قضايا العقل والإيمان والتصوف، وعلاقة الإسلام بالفكر الإنساني.
وعقب عودته إلى مصر، بدأ مرحلة جديدة من العمل الأكاديمي والدعوي، مستفيدًا من خبراته العلمية التي اكتسبها خلال دراسته في الخارج، ليصبح أحد الأسماء البارزة في مجال الدراسات الإسلامية والفلسفية داخل جامعة الأزهر.
بعد عودته إلى مصر، عمل الشيخ عبد الحليم محمود مدرسًا لعلم النفس بكلية اللغة العربية في جامعة الأزهر، قبل أن يتدرج في عدد من المناصب الأكاديمية والإدارية التي كشفت عن قدراته العلمية والتنظيمية.
وفي عام 1964، تولى عمادة كلية أصول الدين، ثم أصبح عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، قبل أن يتولى منصب الأمين العام للمجمع، حيث عمل على تطوير أدائه وإعادة تنظيمه بما يعزز دوره في دراسة القضايا الفكرية والدينية المعاصرة.
وفي عام 1970، عُيّن وكيلًا للأزهر الشريف، ثم تولى وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر، لتتواصل رحلته في العمل العام والديني، وصولًا إلى توليه مشيخة الأزهر، وهي المسؤولية التي ارتبطت باسمه في واحدة من المراحل المهمة في تاريخ المؤسسة الأزهرية.
تولى الشيخ عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر في ظروف احتاجت إلى جهود كبيرة لتعزيز مكانة المؤسسة الدينية وتطوير دورها التعليمي، خاصة في ظل الحاجة إلى زيادة أعداد المعاهد الأزهرية التي تمثل قاعدة أساسية لإعداد الطلاب وتأهيلهم للالتحاق بكليات جامعة الأزهر.
وكانت قلة المعاهد الدينية تمثل تحديًا أمام توفير الأعداد الكافية من الطلاب الذين يمتلكون خلفية قوية في العلوم الشرعية واللغة العربية، وهو ما أثار مخاوف من اتساع الفجوة بين التعليم العام والتعليم الأزهري، في وقت كانت فيه الجامعة تضم عددًا كبيرًا من الكليات والتخصصات.
وأدرك الشيخ عبد الحليم محمود أهمية معالجة هذا التحدي، فعمل على التوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية، انطلاقًا من قناعته بأن إعداد أجيال تجمع بين المعرفة الدينية والثقافة العربية يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على الهوية الإسلامية وتعزيز دور الأزهر في المجتمع.
ولم يعتمد في هذا المسعى على الإمكانات الحكومية وحدها، بل تحرك بين القرى والمدن، داعيًا المواطنين وأهل الخير إلى المساهمة في إنشاء المعاهد الجديدة، حتى يشارك المجتمع في دعم التعليم الأزهري وتوسيع نطاقه.
ولاقت دعوته استجابة من قطاعات واسعة من المواطنين، الذين قدموا التبرعات والمساهمات اللازمة للمساعدة في إنشاء المعاهد، في ظل محدودية الإمكانات المالية المتاحة آنذاك مقارنة بحجم الطموحات المطلوبة لتطوير منظومة التعليم الأزهري.
وساعدت مكانة الشيخ الدينية، وثقة المواطنين فيه، وصلاته بالمسؤولين وأصحاب التأثير، على دفع هذا المشروع إلى الأمام، لتشهد المعاهد الأزهرية توسعًا ملحوظًا خلال فترة توليه المسؤولية.
وبحسب الأرقام الواردة في المادة المنشورة عن سيرته، كان عدد المعاهد الأزهرية في تلك المرحلة يقارب 50 معهدًا على مستوى الجمهورية، فيما تشير الأرقام المتداولة إلى اتساع الشبكة التعليمية الأزهرية في السنوات اللاحقة بصورة كبيرة. ويعكس هذا التوسع أهمية الدور الذي أولاه الشيخ للتعليم الأزهري، باعتباره أساسًا لإعداد العلماء والدعاة والطلاب القادرين على مواصلة الدراسة في مختلف التخصصات الشرعية والعربية.
كان من أبرز ملامح تجربة الشيخ عبد الحليم محمود إيمانه بأهمية المشاركة المجتمعية في دعم المؤسسات التعليمية والدينية، فلم ينظر إلى إنشاء المعاهد الأزهرية باعتباره مسؤولية إدارية تقع على عاتق الدولة وحدها، بل اعتبره مشروعًا مجتمعيًا يحتاج إلى تضافر الجهود.
ومن هنا، حرص على مخاطبة المواطنين في المدن والقرى، وشرح أهمية المعاهد الأزهرية في إعداد الطلاب وتزويدهم بالمعارف الدينية واللغوية، بما يساعدهم على مواصلة تعليمهم في جامعة الأزهر.
وقد أسهمت استجابة المواطنين لدعوته في توفير موارد إضافية لدعم التوسع، خاصة في ظل عدم كفاية الميزانية المتاحة لتحقيق جميع الأهداف التي كان يسعى إليها. وأظهرت هذه التجربة حجم الثقة التي حظي بها الشيخ لدى قطاعات من المجتمع، وقدرته على تحويل قناعته بأهمية التعليم الأزهري إلى مبادرة شارك فيها المواطنون.
وبالنسبة إلى الشيخ، لم يكن التوسع في إنشاء المعاهد مجرد زيادة في عدد المؤسسات التعليمية، بل كان وسيلة لتعزيز حضور الأزهر في مختلف المحافظات، وتوفير فرص أوسع أمام الطلاب الراغبين في دراسة العلوم الشرعية واللغة العربية.
كان الشيخ عبد الحليم محمود ينظر إلى موقعه في مشيخة الأزهر باعتباره مسؤولية دينية وعلمية لا تقتصر على الشأن المصري، بل تمتد إلى قضايا المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
وقد انعكس هذا التصور على مواقفه من الأزمات التي شهدتها دول عربية وإسلامية، إذ كان يتابع تطوراتها ويعبر عن موقفه منها، انطلاقًا من أهمية الحفاظ على أرواح المدنيين، وصون وحدة المجتمعات، والعمل على إنهاء الصراعات التي تهدد الاستقرار.
وكانت مكانة الأزهر، باعتباره مؤسسة دينية ذات امتداد عالمي، تمنح مواقف شيخه أهمية خاصة لدى قطاعات من المسلمين، الذين كانوا ينظرون إلى الإمام الأكبر بوصفه أحد الرموز الدينية البارزة وصوتًا يدعو إلى التمسك بالقيم الإسلامية ومواجهة أسباب الفرقة والاقتتال.
ولذلك، لم يكن الشيخ يتعامل مع الأزمات التي تقع خارج مصر باعتبارها أحداثًا بعيدة عن مسؤوليته، بل كان يرى أن التضامن مع الشعوب المتضررة، والدعوة إلى وقف الدماء، ومناشدة القادة العمل على احتواء الصراعات، من مقتضيات المسؤولية الدينية والإنسانية.
برز اهتمام الشيخ عبد الحليم محمود بقضايا العالم العربي بصورة واضحة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، التي شهدت مواجهات دامية بين أطراف متعددة، وأدت إلى سقوط ضحايا وتدمير منشآت ومرافق، وهددت وحدة المجتمع اللبناني واستقراره.
وفي مواجهة تلك الأحداث، أصدر الشيخ بيانًا دعا فيه الأطراف المتنازعة، من المسلمين والمسيحيين، إلى وقف إراقة الدماء، والكف عن تخريب مقومات الحياة، والعمل على تجنيب لبنان مزيدًا من الخسائر والمعاناة.
كما ناشد زعماء العرب والمسلمين الإسراع في تقديم المساعدة اللازمة للبنان للخروج من أزمته، مؤكدًا أهمية التضامن العربي والإسلامي، ومشددًا على أن مساندة الشعب اللبناني واجب يرتبط بروابط الدين والأخوة الوطنية والإنسانية.
ولم يكتفِ الشيخ بإصدار البيان، بل وجّه برقية إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، دعاه فيها إلى التحرك بحزم من أجل وقف نزيف الدماء الذي شهدته الأراضي اللبنانية، والعمل على إنهاء الأزمة التي ألحقت أضرارًا جسيمة بالشعب اللبناني.
وعكست هذه الخطوات حرصه على توظيف مكانته الدينية في الدعوة إلى وقف العنف، وتحفيز المؤسسات العربية على القيام بدورها في التعامل مع الأزمات، بما يحفظ أرواح المدنيين ويحد من تداعيات الصراعات.
إلى جانب المناصب التي تقلدها، ترك الشيخ عبد الحليم محمود إنتاجًا علميًا وفكريًا واسعًا، إذ تجاوزت مؤلفاته 60 كتابًا في مجالات التصوف والفلسفة الإسلامية والفكر الديني، وكتب بعضها باللغة الفرنسية، في دلالة على اتساع اهتماماته العلمية وتنوع الموضوعات التي تناولها.
وتناولت كتاباته قضايا التوحيد والعقل والعبادة، إلى جانب دراسة الشخصيات والمدارس الفكرية في التراث الإسلامي، مع اهتمام خاص بالتصوف باعتباره أحد المجالات التي شغلت جانبًا مهمًا من حياته العلمية.
ومن أبرز مؤلفاته كتاب «أوروبا والإسلام»، و«التوحيد الخالص»، و«الإسلام والعقل»، و«أسرار العبادات في الإسلام»، و«التفكير الفلسفي في الإسلام»، و«القرآن والنبي»، و«المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي».
وتكشف هذه المؤلفات عن تنوع اهتماماته بين قضايا العقيدة والعبادات والفلسفة والتاريخ الفكري، كما تعكس محاولته تقديم معالجة علمية للموضوعات الإسلامية، تجمع بين دراسة التراث والاستفادة من أدوات البحث والتحليل.
وقد أسهمت هذه الكتابات في ترسيخ صورته بوصفه عالمًا أزهريًا لم يقتصر دوره على الإدارة والدعوة، بل امتد إلى التأليف والبحث العلمي، وترك رصيدًا معرفيًا يرتبط بتاريخ الدراسات الإسلامية في مصر.
ارتبط اسم الشيخ عبد الحليم محمود في الذاكرة الدينية والشعبية بلقب «صاحب بشارة النصر»، وهو وصف يستحضر ما عُرف عنه من مواقف إيمانية وثقة في قدرة الأمة على تجاوز المحن، إلى جانب حضوره خلال مرحلة شهدت أحداثًا مفصلية في تاريخ مصر والمنطقة.
ويستحضر هذا اللقب جانبًا من صورته لدى محبيه، الذين رأوا فيه عالمًا جمع بين الالتزام الديني والاهتمام بالشأن العام، وسعى إلى تعزيز مكانة الأزهر وتوسيع رسالته العلمية والدعوية.
وتظل قراءة سيرته مرتبطة كذلك بما تركه من أعمال ومواقف، سواء في مجال التعليم الأزهري أو التأليف أو الدعوة إلى وقف الصراعات، وهي جوانب أسهمت في حضور اسمه ضمن الشخصيات التي تولت مشيخة الأزهر خلال القرن العشرين.
تظل سيرة الشيخ عبد الحليم محمود نموذجًا لمسيرة عالم أزهري جمع بين التحصيل العلمي والعمل الأكاديمي وتولي المسؤولية الدينية، وحرص على توسيع انتشار التعليم الأزهري وتعزيز حضور الأزهر في القضايا التي شغلت المجتمع المصري والعالم الإسلامي.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم