سِبتة وبداية النزاع
هل تُعدّ سبتة بدايةً لصراعٍ جديد، أم هي تصفية حسابات مع بيدرو سانشيز؟ لقد تدفقت أعداد غفيرة من المغاربة نحو مدينة سبتة، الخاضعة للإدارة الأسبانية، وقبل الخوض في مشروعية هذه الهجرة، أو البحث عن حلول لها، ينبغي تشخيص أسبابها بدقة، إذ يعاني الفرد المغربي من ضغوط حياتية قاسية ناتجة عن تردي الوضع الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وندرة فرص العمل، وحتى في حال توافرها، فإن الأجور تكون متدنية للغاية، ولا تكفي لسد احتياجات الفرد الأساسية، فضلاً عن إعالة أسرة؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن الحد الأدنى للأجور يتراوح بين 300 و380 يورو شهرياً، وهو مبلغ لا يكاد يكفي للعيش عند حد الكفاف، ومما لا شك فيه أن هذا الواقع يولد شعوراً عميقاً بعدم الاستقرار الوظيفي، والنفسي، ويفاقم مستويات الإحباط لدى الشباب، الذين باتوا لا يرون أمام انعدام الأمان والطمأنينة خياراً سوى الفرار نحو أوروبا، حتى وإن كان ذلك محفوفاً بمخاطر الموت غرقاً، وقد تزايدت هذه المحاولات بعد سوء فهم لحكم المحكمة العليا الإسبانية، الذي قضى بتقييد الإعادة الفورية للمهاجرين الواصلين سباحة دون دراسة ملفاتهم، وهو ما فسره البعض خطأً على أنه حق في البقاء التلقائي.
وفي سياق متصل، يطرح التساؤل نفسه: هل ساهمت الحكومة المغربية في هذا التدفق كأداة للضغط السياسي على إسبانيا عما حدث من قبل؟ ففي عام 2021، عبر آلاف الشباب الحدود بطريقة غير شرعية، وسط غض السلطات الطرف عنهم، تزامناً مع خلاف دبلوماسي حاد بين الرباط ومدريد، إثر استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو، التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية، وقد أدى ذلك التوتر إلى استقالة وزيرة الخارجية آنذاك “أرانشا غونزاليس” بعد أن تسببت في دخول العلاقات بين البلدين في نفق مظلم، قبل أن تعود الأمور إلى مسارها الصحيح في ظل رئاسة “بيدرو سانشيز” للحكومة الإسبانية.
ولكن الحدود في سبتة أُغلقت مجدداً بشكل مفاجئ، فهل يُعدّ ذلك أحد الأسباب؟ وهل يُعَدُّ الخلاف بين ترمب ونتنياهو، وبيدرو سانشيز -بسبب موقف الأخير الحازم تجاه القضية الفلسطينية وما يجري في قطاع غزة- هو السبب وراء هذا، وافتعال تدفق أعدادٍ مهولة من المهاجرين نحو سبتة الإسبانية؟ لا شك أن الولايات المتحدة حليفٌ استراتيجي للرباط، ومن السهل ترجيح وقوف واشنطن خلف ما حدث، لا سيما بعد تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض بأن “الأزمة نتيجة سياسات يسارية، وعالمية”، وهو ما يعزز هذه الشكوك، وفي المقابل، ذكر بيان لوزارة الخارجية الأمريكية أن “هذا الحادث غير المقبول هو نتيجة مباشرة لجهود الحكومة الإسبانية المتعمدة للسماح بالهجرة غير النظامية الجماعية إلى أوروبا وتسهيلها”. فهل تُعد هذه إشارةً إلى استخدام المغرب لورقة المهاجرين للضغط على مدريد؟ نرجو ألا يكون المغرب أداةً بيد أحد للضغط على أي جهة؛ فالمغرب دولة ذات سيادة ترفض أن تكون كذلك.
كما إن هذه إشارةٌ خطيرة قد يستغلها الأعداء، وهي قضية البطالة؛ لذا يجب على الدول السعي لتأمين الدخل وتوفير حياة كريمة لشعوبها، لأن البطالة بمنزلة “قنبلة موقوتة” إذا نزع أعداء الدول العربية فتيلها، فستكون النتائج كارثية. حفظ الله العالم العربي والإسلامي من كل مكروه، ومن الفتن التي تُحاك له.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم