تقارير-و-تحقيقات

مرصد الأزهر: غرب إفريقيا في تصاعد دموي

 

تقرير: مصطفى على

 

رسم تقرير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف لشهر يونيو 2025 صورة مركبة للوضع الأمني في منطقة غرب أفريقيا والساحل، حيث تتقاطع مؤشرات التراجع العددي للهجمات مع الارتفاع الدرامي في عدد الضحايا، ما يضع علامات استفهام عريضة حول طبيعة التحولات الجارية في ميدان المواجهة مع الجماعات الإرهابية في هذه المنطقة الملتهبة.

فوفقًا لما رصده المرصد، شهد شهر يونيو تسجيل 12 عملية إرهابية، أودت بحياة 349 شخصًا وأصابت 39 آخرين، إلى جانب اختطاف 22 مدنيًا، وهو ما يعكس تصعيدًا نوعيًا في فتك العمليات، رغم انخفاض عددها مقارنة بشهر مايو الماضي بنسبة 45.4%.

مالي.. عودة إلى الواجهة بهجمات أكثر فتكًا

تصدّرت مالي المشهد الدموي في غرب أفريقيا خلال شهر يونيو، حيث سجّلت 5 عمليات إرهابية، ما يمثل نحو 41.7% من إجمالي الهجمات وأسفرت تلك العمليات عن مقتل 175 شخصًا، أي نصف عدد القتلى تقريبًا على مستوى المنطقة، إلى جانب 5 مصابين واختطاف 22 شخصًا، وهو الرقم الكامل لحالات الاختطاف التي تم توثيقها في الشهر ذاته.

ويُرجح أن تلك العمليات تمت من قبل مجموعات تنتمي إلى تنظيمي “داعش” و”القاعدة” في بلاد الساحل، والتي تحاول استعادة توازنها الميداني بعد الضربات المتكررة التي تلقتها على مدار العام.

النيجر ونيجيريا.. عدد هجمات متقارب وضحايا متفاوتة

على الرغم من تساوي النيجر ونيجيريا في عدد الهجمات المسجلة خلال شهر يونيو، حيث سجلت كل منهما 3 عمليات (25%)، فإن النيجر جاءت في المرتبة الثانية من حيث عدد الضحايا، إذ سجلت 115 قتيلاً و34 مصابًا، في حين اقتصر عدد القتلى في نيجيريا على 54 قتيلاً فقط دون تسجيل إصابات.

ويشير هذا التفاوت إلى اختلاف في طبيعة وأهداف العمليات المنفذة، وربما في مستوى الجاهزية الأمنية بين البلدين.

بنين وبوركينا فاسو.. بين التهديد والهدوء الحذر

في المقابل، سُجّلت عملية إرهابية واحدة في بنين، أسفرت عن مقتل 5 مدنيين، مما يضع البلاد تحت مجهر المتابعة لاحتمالية توسع نشاط الجماعات المسلحة على أراضيها في المستقبل القريب.

أما بوركينا فاسو، التي كانت حتى وقت قريب أحد أكثر البلدان تضررًا من الإرهاب، فقد شهدت هدوءًا أمنيًا لافتًا خلال شهر يونيو، دون تسجيل أي هجمات أو ضحايا ويُنظر إلى هذا الاستقرار على أنه نتيجة لجهود إعادة هيكلة الجيش وزيادة التنسيق مع الحلفاء الإقليميين.

عمليات أمنية نوعية.. تصعيد رسمي يربك الجماعات الإرهابية

في خطوة تعكس تصعيدًا أمنيًا موازيًا، سجلت قوات الأمن في غرب أفريقيا 9 عمليات عسكرية نوعية خلال شهر يونيو، أسفرت عن تصفية 164 إرهابيًا واعتقال 58 آخرين، في دلالة على تطور في الأداء الاستخباراتي والتكتيكي للجيوش النظامية في المنطقة.

وجاءت تفاصيل العمليات على النحو التالي:

الجيش النيجيري: قتل 87 إرهابيًا واعتقل 44.

قوات النيجر: قتلت 43 واعتقلت 14.

الجيش المالي: أعلن قتل 34 إرهابيًا، من بينهم قيادات بارزة في التنظيمات المسلحة.

وتُعد هذه النتائج من أبرز مؤشرات التحول العسكري في المنطقة، حيث باتت العمليات تستهدف مراكز القيادة والمخططين، لا العناصر الهامشية فقط.

نقطة تحول: استراتيجية استباقية وتعاون استخباراتي عابر للحدود

أشار تقرير مرصد الأزهر إلى أن هذا التصعيد النوعي في الأداء الأمني يمثل تحولًا جوهريًا في آليات المواجهة مع الجماعات الإرهابية، مقارنة بفترات سابقة اتسمت بالجمود أو التراجع، خاصة في دول مثل مالي وبوركينا فاسو التي خضعت مؤخرًا لإعادة هيكلة جيوشها الوطنية.

ومن أبرز ملامح هذا التحول:

انتقال الاستراتيجيات من الدفاع إلى الهجوم الاستباقي.

تفعيل مداهمات دقيقة بناءً على معلومات استخباراتية موثوقة.

توسيع دوائر التعاون الإقليمي في المجال الأمني.

وأبرز تلك النجاحات كان مقتل الإرهابي الشهير “أبو الدحداح الحربي”، أحد أبرز قادة “داعش” في الساحل، على يد الجيش المالي في عملية نوعية بتاريخ 28 يونيو، ما وُصف بأنه ضربة استراتيجية موجعة للتنظيم.

توصيات الأزهر: لا للارتجال.. نعم لاستراتيجية إقليمية مستدامة

في ختام تقريره، شدّد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف على ضرورة تحويل هذا النشاط الأمني المتصاعد إلى مسار ثابت ضمن استراتيجية شاملة وطويلة الأمد، مؤكداً أن الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة لن يحقق الاستقرار المنشود.

وأكد التقرير أن أي مواجهة فعالة مع الجماعات المتطرفة يجب أن تتجاوز النطاق الأمني لتشمل:

تفكيك البنية الفكرية والدعوية للتنظيمات الإرهابية.

محاربة خطاب الكراهية والتحريض عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

إطلاق برامج تنموية تحصّن المجتمعات المحلية من الانزلاق نحو التطرف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى