حكايات مثيرة للجدل عن السيد البدوي.. كيف نتحقق من روايات التراث؟
أمين الفتوى لـ«اليوم»: الموالد متنفس للناس.. ولا يجوز الاستهزاء بزائريها
عالم أزهري يطرح رؤية مختلفة للموالد: «النظر إليها من زاوية الحلال والحرام فقط اختزال لحقيقة الحياة»
كتب- محمود عرفات
أعاد مولد السيد أحمد البدوي الجدل حول أحد أبرز أعلام التصوف في مصر إلى واجهة النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما انتشرت حكايات تزعم أنه لم يكن يصلي، وأخرى تتعلق بسلوكه داخل المسجد، لتتصاعد التساؤلات حول حقيقة هذه الروايات ومدى استنادها إلى مصادر تاريخية موثوقة.
وفي مواجهة هذه الروايات، تناولت وزارة الأوقاف سيرة السيد البدوي ومكانته في دراسة استعرضت ما ورد عنه في كتب التراجم والتاريخ، كما تناولت دار الإفتاء المصرية مكانته العلمية، فيما قدم الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر، رؤيته بشأن الروايات المثارة حوله والجدل الدائر حول الموالد والممارسات المرتبطة بها.
وبالتزامن مع انتشار مقاطع لشباب يسخرون من زائري الموالد، طُرحت تساؤلات بشأن حدود الاختلاف حول هذه المناسبات، وضرورة التمييز بين انتقاد الممارسات التي قد تحدث خلالها والاستهزاء بالأشخاص المشاركين فيها.

الأوقاف تستعرض سيرة السيد البدوي ومكانته عند العلماء
نشرت وزارة الأوقاف دراسة للدكتور إبراهيم المرشدي بعنوان «السيد أحمد البدوي: حقيقته التاريخية ونسبه وسيرته ومكانته عند العلماء»، تناولت المزاعم التي تشكك في شخصية السيد البدوي أو تنتقص من مكانته، واستعرضت ما ورد بشأنه في كتب التراجم والتاريخ.
واستشهدت الدراسة بأقوال عدد من العلماء والمؤرخين، من بينهم ابن تغري بردي والسخاوي والسيوطي وابن العماد الحنبلي، كما تناولت الروايات المتداولة بشأن سيرته، مؤكدة أهمية الرجوع إلى المصادر الأصلية وفحص النصوص في سياقها، بدلًا من الاكتفاء بالمنشورات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كما استعرضت الدراسة ما ورد في المصادر التراثية بشأن نشأة السيد البدوي واهتمامه بالقرآن والفقه والتصوف، وأشارت إلى كتاب «السيد أحمد البدوي» لشيخ الأزهر الأسبق الدكتور عبد الحليم محمود.
وتطرح الدراسة أهمية التمييز بين الروايات التاريخية التي يمكن التحقق من مصادرها والتفسيرات التي تُبنى عليها، خاصة عندما تُستخدم حكاية جزئية لإصدار حكم عام على شخصية تاريخية.
دار الإفتاء توضح المكانة العلمية للسيد البدوي
وتناولت دار الإفتاء المصرية المكانة العلمية للسيد أحمد البدوي، مشيرة إلى أنه كان فقيهًا على المذهب الشافعي، واهتم بكتاب «التنبيه» للفقيه أبي إسحاق الشيرازي، كما استعرضت ما ورد بشأنه في كتب طبقات فقهاء الشافعية وكتب التراجم.
واستندت الدار إلى مؤلفات تراثية تناولت سيرته، وما ورد فيها عن حفظه للقرآن واهتمامه بالفقه، إلى جانب بعض المصنفات المنسوبة إليه.
وتبرز معالجة دار الإفتاء أهمية الاستناد إلى المصادر عند الحديث عن المكانة العلمية والدينية للسيد البدوي، مع ضرورة فحص كل رواية منسوبة إليه على حدة، وعدم اعتبار تداولها دليلًا كافيًا على صحتها.

العشماوي يرد على الروايات المثارة حول السيد البدوي
وتناول الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر، الشبهات المتداولة حول السيد البدوي، داعيًا إلى فحص الأدلة والمصادر التي يستند إليها مروجو الاتهامات.
ومن بين الروايات المثارة حكاية نُسبت إلى كتاب «الضوء اللامع» للحافظ السخاوي، واستُخدمت في اتهام السيد البدوي بعدم الصلاة. وتناولت دراسة وزارة الأوقاف هذه الحكاية، مشيرة إلى أن فهمها يتطلب الرجوع إلى نصها وسياقها، بدلًا من اقتطاع جزء منها وتقديمه باعتباره دليلًا قاطعًا على ترك الصلاة.
ويؤكد التعامل مع هذه الروايات ضرورة التمييز بين النص التاريخي الأصلي والتفسيرات التي يقدمها الباحثون له، مع مراجعة المصادر التي نقلت الحكاية ومدى اتفاقها أو اختلافها بشأنها.
العشماوي: الموالد متنفس للناس رغم رفض المخالفات الشرعية
وبعيدًا عن الروايات المتعلقة بسيرة السيد البدوي، طرح الدكتور محمد إبراهيم العشماوي رؤية بشأن الموالد في منشور بعنوان «الموالد.. من زاوية أخرى!»، أكد فيه أنه سبق أن أعلن رفضه للممارسات التي تخالف ظاهر الشريعة، متمنيًا أن تقتصر هذه المناسبات على المساجد والساحات المغلقة، بما تتضمنه من تلاوة القرآن الكريم ودروس العلم والابتهالات والمدائح النبوية.
لكن العشماوي دعا في الوقت نفسه إلى النظر إلى الموالد من زوايا متعددة، وعدم اختزالها في المخالفات التي قد تحدث خلالها، موضحًا أن فهم الظواهر الاجتماعية يتطلب النظر إلى أبعادها المختلفة، وعدم الاكتفاء بالحكم عليها من زاوية واحدة.
ورأى أستاذ الحديث بجامعة الأزهر أن الموالد بصورتها الحالية قد تمثل متنفسًا ترويحيًا لبعض الناس، في ظل ما يواجهونه من ضغوط الحياة، سواء كانت مرتبطة بالأزمات الاقتصادية أو التفكك الاجتماعي أو الاضطرابات التي تؤثر في حياتهم اليومية.
وأشار إلى أن الناس يختلفون في أساليب الترويح عن النفس وفقًا لبيئاتهم وثقافاتهم وميولهم؛ فمنهم من يلجأ إلى الحج والعمرة أو السفر والتنزه، ومنهم من يجد راحته في مشاهدة الأفلام والمسلسلات والمباريات أو الاستماع إلى الأغاني والقصائد، بينما يختار آخرون حضور الموالد ومجالس العلم والذكر والإنشاد.
وأوضح العشماوي أن طرح هذه الزاوية لا يعني إقرار الممارسات التي يراها مخالفة للشريعة، وإنما يستهدف فهم طبيعة ارتباط بعض الناس بهذه المناسبات، والأسباب التي تجعلهم يقصدونها بحثًا عن الراحة النفسية والتواصل الاجتماعي.
وأضاف أنه، بحكم خبرته في شؤون الدين والتصوف، يرى أن التصوف قد يمثل ملاذًا نفسيًا يشعر فيه بعض الناس بالسكينة والطمأنينة، لافتًا إلى أن مساجد آل البيت ومقاماتهم تمثل لدى فئات من الفقراء والمساكين والمنكوبين نفسيًا واجتماعيًا أماكن يلجأون إليها طلبًا للراحة.
ووصف العشماوي الموالد بأنها «صورة مصغرة لحياة الناس»، تضم أصنافًا وأحوالًا مختلفة، معتبرًا أن النظر إليها من زاوية الحلال والحرام فقط يمثل اختزالًا لحقيقة الحياة، دون أن يعني ذلك تجاهل المخالفات التي قد تقع خلالها أو التراجع عن رفضها.

أمين الفتوى: لا يجوز الاستهزاء بزائري الموالد
من جانبه، قال عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن الاستهزاء بزائري الموالد أو التقليل من شأنهم أمر غير مقبول، مؤكدًا أنه لا يجوز التعميم على جميع الزائرين أو الحكم على نياتهم ودوافعهم، فليس كل من يذهب إلى الموالد يفعل الشيء نفسه، وإنما تختلف أحوال الناس ومقاصدهم، فمنهم من يقصد الذكر والدعاء، ومنهم من يبحث عن السكينة والراحة النفسية أو التواصل الاجتماعي.
وشدد عثمان، في تصريح خاص لـ«اليوم»، على أن رفض بعض الممارسات التي قد تحدث خلال الموالد لا يبرر السخرية من الأشخاص أو الانتقاص منهم، فهناك فرق بين نقد السلوك والحكم على أصحابه، لافتًا إلى أن مناقشة هذه الظواهر ينبغي أن تقوم على العلم والفهم واحترام الآخرين، بعيدًا عن التنمر والإهانة، مع التمييز بين الاعتراض على ممارسة معينة والاستخفاف بمن يشارك في هذه المناسبات.
كيف نقرأ الروايات التاريخية عن الشخصيات الدينية؟
يفتح الجدل حول السيد البدوي بابًا أوسع بشأن كيفية التعامل مع الشخصيات التاريخية والدينية، خاصة عندما تنتشر روايات متعارضة عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
فورود حكاية في كتاب تاريخي لا يعني بالضرورة ثبوتها بصورة قاطعة، كما أن تأخر زمن تأليف الكتاب عن حياة الشخصية لا يكفي وحده للحكم ببطلان ما ورد فيه. ويتطلب التقييم معرفة مؤلف الكتاب ومصادر معلوماته وسياق الرواية، ومدى وجود مصادر أخرى تؤيدها أو تخالفها.
ومن المهم كذلك الفصل بين ثبوت وجود الشخصية تاريخيًا، وتقييم مكانتها العلمية والدينية، والتحقق من صحة كل حكاية تُنسب إليها؛ فهذه مسائل مختلفة لا يصح جمعها في حكم واحد.
وينطبق الأمر نفسه على الموالد؛ إذ يختلف تقييم الممارسات التي تحدث خلالها عن دراسة أبعادها الاجتماعية والنفسية، أو فهم أسباب ارتباط بعض المواطنين بها. فرفض المخالفات لا يمنع من بحث الظروف التي تجعل هذه المناسبات متنفسًا لبعض الفئات، كما أن فهم تلك الظروف لا يعني إقرار جميع الممارسات المرتبطة بها.
وبينما تستعرض وزارة الأوقاف ودار الإفتاء ما ورد في المصادر التراثية بشأن السيد البدوي، تطرح رؤية العشماوي أهمية توسيع زاوية النظر إلى الموالد، بحيث تجمع بين تقييم الممارسات وفهم طبيعة الظاهرة الاجتماعية واحترام الأشخاص الذين يقصدونها، مع ضرورة العودة إلى النصوص الأصلية قبل إصدار الأحكام على الروايات التاريخية.
وفي النهاية، لا يكفي تداول رواية سلبية لإثباتها، كما لا يكفي وصف شخصية تاريخية بالصلاح لإثبات كل ما يُنسب إليها من حكايات. والطريق إلى تقييم سيرة السيد البدوي يبدأ بمراجعة المصادر الأصلية وفحص الروايات في سياقها، فيما يتطلب فهم الموالد التمييز بين المخالفات التي قد تقع خلالها والأبعاد الاجتماعية والنفسية المرتبطة بها، دون الخلط بين الأمرين.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم