تقرير: مروة محي الدين
39 سنة مرت على اغتيال أيقونة النقد السياسي بالكاريكاتور، في العاصمة البريطانية لندن في 22 يوليو 1987، “ناجي العلي” الرسام الأبرز في التاريخ العربي الحديث، الذي طالما اشتهر بنقده اللاذع للحكومات العربية ومساعي التطبيع مع الاحتلال، باستخدام الرسوم الساخرة التي تجاوز عددها 40 ألف لوحة.
سيرة “العلي” ومسيرته
ولد “العلي” في قرية الشجرة أو السجرة- جنوب غرب مدينة طبريا في منطقة الجليل- عام 1937، وفي سن العشر سنوات عام 1948 هُجِرَ مع عائلته إبان النكبة إلى مخيم عين الحلوة في لبنان، تزوج من السيدة “وداد صالح” وأنجب أربعة أبناء، وسافر إلى لندن عام 1985.
عام 1961 اكتشف الكاتب الفلسطيني والأديب “غسان كنفاني” موهبته، فقدمه إلى مجلة الحرية حيث نشر أولى لوحاته، ليبدأ رحلته في الصحافة العربية متنقلا بين الصحف والمجلات، التي كان أبرزها: الطليعة، والسياسة، والقبس الكويتية، والسفير اللبنانية، وأخيرًا القبس الدولية في لندن.
وفي جريدة السياسة الكويتية ابتكر شخصية حنظلة عام 1969، الطفل الفلسطيني الذي عانى التشريد والنزوح عن أرضه، وقال عنه “العلي” في أحد أكثر لقاءاته شهرة “حنظلة هذا أنا”، فأضحى يمثل توقيعه على لوحاته، وما لبث أن تحول إلى رمزاً للصمود وشاهد يدير ظهره ويكتف يديه احتجاجاً.
أطلق عملاء رُجِحَ تبعيتهم للاحتلال النار عليه في 22 يوليو 1987، ليدخل المستشفى بحالة حرجة، ويبقي فيها حتى توفي متأثراً بجراحه في 29 أغسطس 1987. وقد تناولت سيرته عدة أعمال سينمائية أبرزها الفيلم المصري “ناجي العلي” عام 1992، الذي جسد فيه الفنان “نور الشريف” شخصيته وأخرجه “عاطف الطيب”.
بالريشة والقلم الرصاص
كانت الريشة والحبر الصيني الأسود الأداة الأساسية التي استخدمها “العلي” في إخراج رسومه الكاريكاتورية، واستخدم القلم الرصاص في الخطوط الأولية لتلك الأعمال، لوضع الفكرة قبل تحبيرها، وتحديد أبعاد الشخصيات مثل: حنظلة وفاطمة، ومواقع النصوص في العمل.
وقد تميز أسلوبه بالخطوط السميكة والقوية القاطعة بالحبر الأسود الحاد على الورق الأبيض، دون استخدام ألوان أو تظليل معقد، لتكون اللوحة حادة وقابلة للطباعة الصحفية السريعة.
للسجن معه قصة في إطلاق موهبته وكذلك مخيم عين الحلوة، حيث اعتقل في بداية حياته في معتقل “المية ومية” في لبنان، بسبب مشاركته النشطة في المظاهرات التي كانت تخرج من مخيم عين الحلوة، احتجاجا على الأوضاع المأساوية التي يعيشها، والرقابة الأمنية المشددة التي فرضتها السلطات اللبنانية على المخيم.
وفي المعتقل استخدم الفحم والقلم الرصاص في رسم لوحاته على جدران الزنازين والمعتقلات، لتكون الشرارة الأولى التي اندلعت منها موهبته قبل اكتشافه، وأكمل مسيرته على جدران المخيم وأزقته، إذ حملت رسومه وعباراته نقدا سياسيًا حادًا للسلطات الأمنية والواقع السياسي، ما اعتبرته أجهزة الأمن تحريضا سياسيا ومساسا بالأمن العام، وكررت اعتقاله عدة مرات، قبل اكتشاف “كنفاني” له وتقديمه للصحافة.
حنظلة… أيقونة الاحتجاج

يعرف عن “حنظلة”- الشخصية الأيقونية “للعلي”- ما كتبه عنه صاحبه: “ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائماً في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر الوطن، وحين يعود حنظلة إلى الوطن سيكون بعدُ في العاشرة، ثم يبدأ في الكبر، قوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما أن فقدان الوطن استثناء”.
وفسر الرسام المناضل عدم خضوع أيقونته لقوانين الطبيعة بأن النمو الطبيعي يتطلب وطناً استوائياً حراً، وفي غياب الوطن يتوقف الزمن بالنسبة له. وباقي التعريف جاء من أحاديثه وكتابته، فتأكدت عنه تلك البطاقة التعريفية التي جاءت بياناتها كالتالي:
- الاسم: حنظلة.
- اسم الأب: غير مهم- ليس له اسم محدد.
- اسم الأم: نكسة- في إشارة إلى نكسة عام 1967.
- الجنسية: ليس أردنياً ولا لبنانياً ولا مصرياً ولا سورياً؛ هو لا يملك جواز سفر، وجنسيته هي (عربي حافٍ).
- مقاس القدم: تنعق بغير مقاس- في دلالة على التشريد والتجوال المستمر بدون حذاء.
- الوظيفة: عين الجماهير الشاهدة، والرمز الذي ولد ليدافع عن الفقراء والمقهورين، وهو الدبوس الذي ينخز الوعي حتى لا ينام.
وعن أسباب تكتيف يديه للخلف، قال: “كتّفت يديه بعد 1973، لأن المنطقة تشهد عملية تطبيع واستسلام لا تمثل تطلعات الشعوب، وقدمتُ حنظلة للناس على أنه ليس جميل الشكل، بل حافي القدمين ومكتوف اليدين؛ أدار ظهره احتجاجاً، ولن يدير وجهه للجمهور إلا عندما تتم إعادة الاعتبار للإنسان العربي، وعندما يعود للوطن”.
تجسيد ذاكرة وطن
جعل “العلي” من الرسوم الكاريكاتورية وثيقة تاريخية للذاكرة الفلسطينية والعربية، حيث جعل من حنظلة رمزية شاهدة، وهو الطفل البالغ من العمر عشر سنوات- العمر الذي غادر فيه ناجي العلي فلسطين عقب نكبة 1948- ولن يكبر إلا بالعودة إلى وطنه.
ومع حلول التطبيع والمساومة، كتف يدي حنظلةُ للتدليل على موقف شعبي رافض لتلك الحلول وللانحيازات السياسية الضيقة، فأضحى عينًا للمستضعفين وشاهدا على التحولات السياسية.
كذلك نقل بالرسوم الحياة بمخيم عين الحلوة، وتفاصيلها الصعبة إلى صفحات الصحف العربية والدولية، محولاً معاناتها من مجرد أرقام إلى حالة إنسانية وسياسية شاخصة، وكانت المرأة الفلسطينية “فاطمة” رمزا للأرض والصمود والاستمرارية، مقابل شخصيات تُعبر عن البيروقراطية أو الانتهازية السياسية.
ولم يسلم أي طرف من نقده، من الاحتلال إلى الأنظمة العربية إلى القيادات الفلسطينية، التي اعتبر طروحاتها تبتعد عن حقوق اللاجئين، وتحولت لوحاته إلى ما يشبه المقالات الاستقصائية السريعة المكثفة، التي تفكك الخطابات السياسية المعقدة بحركة ريشة واحدة.
أسرته وإرثه
كانت أسرة “العلي” مساندا وداعما لمسيرته الحافلة، فقد انتقلت معه إلى لندن فور انتقاله عام 1985، وظلت معه حتى اغتياله عام 1987، ثم استقرت العائلة ممثلة في الزوجة “وداد” والأبناء “خالد وأسامة وليال وجودي” بالمملكة المتحدة، وبذلت جهودا حثيثة لجمع تراثه والحفاظ عليه، حيث تولت زوجته و نجله الأكبر “خالد” مسؤولية جمع أعماله وأرشفتها ونشرها، وقد تجاوزت 40 ألف رسم كاريكاتوري.
تعرض جزء كبير من أرشيف فنان الكاريكاتور الأبرز للتلف أو الضياع، كما تم احتجاز بعضه لدى مؤسسات صحفية مختلفة، بسبب تنقل صاحبه بين البلاد- لبنان والكويت وبريطانيا- في المقام الأول، وبسبب الاجتياحات والحروب وآبرزها اجتياح بيروت عام 1982.
ويتولى نجله “خالد” ووالدته إدارة الملف القانوني والفني لحماية موروثه، ويعمل على إدارة عدد من المبادرات العاملة على التوثيق الرقمي للرسوم، للحد من التعديل على اللوحات وتغيير النصوص الأصلية المكتوبة داخلها، ويلاحق الانتهاكات التجارية الساعية لاستغلال الشخصية في تحقيق الربح. وبفضل ذلك الجهد بقي “حنظلة” حاضرًا في المحافل الدولية وفي الذاكرة الفلسطينية والعربية، باعتباره أيقونة سياسية على مستوى العالم.
كما تحركت في متابعة قضية اغتياله، وظلت القضية مفتوحة دون حسم ضد جهة محددة، وأعادت سكوتلاند يارد- الشرطة البريطانية فتح التحقيق في القضية عام 2017 في الذكرى الثلاثين لرحيله، وأجرى أبناءه “خالد وأسامة” عدة مقابلات تليفزيونية مع وسائل إعلام دولية، طالبوا خلالها بكشف الفاعل والجهات التي وقفت خلفه.
الشاهد في مسيرة “العلى” أن حياته لم تنه بمواراة جسده الثرى، فعلى الرغم من أن ذلك تم فعليا وهو في سن الخمسين، لكنه شخصية حاضرة ومسيرة عطاء نادرة استمر وجودها حتى بلغ التسعين، ولم يحن بعد وقت نسيانه، وكأن رأسه العنيد لم يمت وبقي صامدا يتحدى مساعي قاتليه لطمسه ودفنه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم