تقرير: مروة محي الدين
تونس الخضراء… هكذا كان لقبها التاريخي بسبب الغطاء النباتي دائم الخضرة، والتنوع الجغرافي والمناخي؛ الآن تعيش تونس أسوأ حالاتها المناخية والإنسانية، حيث انتشرت فيها حرائق الغابات منذ بداية موجة الحر الشديد من هذا الموسم الصيفي، حتى بلغت حجم خسائر الغابات والرقعة الزراعية 4400 هكتار، بزيادة بلغت 63% عن العام الماضي- حسب أخر إعلان للسلطات التونسية.
اشتعال شمال البلاد وغربها
تركزت البؤر المشتعلة في ولايات شمال وغرب البلاد، وشملت الحرائق مناطق غابية وزراعية في ولايات بنزرت مثل: غار الملح ورفراف، وباجة- كاب نيقرو، وزغوان- جبل الشهدة، والكاف، وجندوبة.
الأمر الذي شكل ضغطا على فرق الإطفاء والحماية المدنية، التي كانت قد تمكنت من السيطرة على جزء كبير من الحرائق بالتعاون مع وحدات الجيش، حيث سجلت الإدارة العامة للغابات والحماية المدنية أكثر من 910 تدخلات ميدانية لإخماد الحرائق بالمناطق المشتعلة؛ كما تظهر الرياح الجافة كالخصم العنيد، مع احتمالات تجديدها لاشتعال الحرائق، لذا بقيت جهود التبريد والمراقبة مستمرة، ولم تسجل خسائر بشرية مباشرة في صفوف السكان حتى الآن.
وأفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأن درجات الحرارة لا تزال تتجاوز معدلاتها الموسمية بفارق يصل إلى 12 درجة مئوية، لتسجل في المناطق الداخلية نحو 49° درجة مئوية- وسجلت القيروان نحو 49.7°، مع رصد خلايا رعدية متفرقة قد تسهم في تهييج الرياح في المناطق الغربية من شمال ووسط البلاد.
انقطاع المياة والكهرباء
لتخفيف الضغط القياسي عن الشبكة الوطنية للكهرباء، وعقب القفزة الهائلة في استهلاك أجهزة التكييف والتبريد سجل أحمالا قياسية على الشبكة، طبقت الشركة الوطنية للكهرباء والغاز نظام القطع الدوري للتيار الكهربائي بالتبادل بين الأحياء والمدن، منعا لانهيار الشبكة وتفادي الإغلاق الشامل.
ومن جهة أخرى، تسبب انقطاع التيار الكهربائي المتواصل في تعطل مضخات توزيع المياة في عدد من المناطق الريفية وضواحي الشمال والوسط التونسي، ما أدى إلى انقطاع مزدوج- كهرباء ومياة- استمر في بعض الجهات لأكثر من 24 ساعة متواصلة، ما استدعى استمرار تدابير الطوارئ لتزويد الأهالي بالمياه عبر الصهاريج.
أزمة داخلية وأضرار اقتصادية
الانقطاع المستمر للكهرباء والمياه لمدة تجاوزت الأسبوع في ظل موجات الحر الشديدة آثار موجة من الاحتقان الشعبي، فخرجت مظاهرات واحتجاجات ليلية في عدد من الولايات والمدن، مثل: بنزرت ونابل وسوسة والمنستير وزغوان، أغلق خلالها المحتجون الطرقات وأشعلوا الإطارات، تعبيرًا عن غضبهم.
كما لم يحتمل مرضى الحساسية والأزمات التنفسية ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع أجهزة التكييف والتنفس، وتلقت المستشفيات- مثل: مستشفى عبد الرحمن مامي بالمرناقية/أريانة- حالات عدة من المرضى والمصابين بالاختناقات والأزمات. وتضرر القطاعات الاقتصادية، حيث عانت القطاعات التجارية والصناعية والمحلات التجارية من تلف المنتجات الغذائية وتوقف خطوط الإنتاج وتعطل حركة بعض وسائل النقل، مثل: السكك الحديدية.
وأصدر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية اليوم بيانا طارئا حذر فيه من تداعيات موجة الحرائق، معتبرا إياها كشفت عن أزمة مناخية واختلالات هيكلية في منظومة الاستباق، مشيرا في البيان إلى تسجيل إجلاء عدد من العائلات الريفية، ونفوق عدد من المواشي وتلف المحاصيل الزراعية والمناحل في ولايات: الكاف وباجة وبنزرت وزغوان.
تزامنت تلك الأحداث مع احتفال البلاد بعيد الجمهورية الموافق 25 يوليو من كل عام، ومرور خمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس “قيس سعيد”، الذي وصف انقطاعات الكهرباء والماء المتكررة والحرائق المتزامنة بأنها ظواهر غير عادية، وشدد على ضرورة محاسبة المقصرين، وترأس عدة اجتماعات وزارية طارئة لمتابعة الأزمة، كما دعم الجيش جهود الإطفاء، وتدخلت وحداته لتوفير مياة الشرب للمناطق المتأثرة بانقطاع الكهرباء.
في المحصلة، حولت الموجة قاسية الحرارة تونس من تلك البقعة الغنية بغطائها النباتي الطبيعي الذي منحها لقبها إلى بؤرة مشتعلة، تلتهم النيران ثروتها ومحاصيلها وحتى الاستقرار والسكينة في بيوتها، فأضحت الظواهر الطبيعية عدوا لها، يرفع احتياجها للوحدة والتكاتف في مواجهة تلك الأزمة.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم