هرم في قلب الواحات.. اكتشاف أثري ببئر الشغالة يجمع آثار الفراعنة واليونان والرومان

كتبت :شيماء المهدى

في كشف أثري جديد يضيف صفحة مهمة لتاريخ الواحات المصرية، أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية اكتشاف مقبرة هرمية الشكل من العصر الروماني بمنطقة بئر الشغالة بالواحات الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، ضمن أعمال بعثة أثرية مصرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار.

الكشف الجديد: مقبرة لزوجين من علية القوم

كشفت البعثة الأثرية المصرية العاملة بالمنطقة عن مقبرة هرمية الشكل مشيدة من الطوب اللبن، تعود إلى العصر الروماني، خُصصت لدفن رجل وزوجته، وتتميز بتخطيطها المعماري الفريد وما تحمله من نقوش ونصوص نادرة.

وأسفرت أعمال الحفائر عن الكشف عن عدد من اللقى الأثرية المهمة، من بينها لوحة حجرية تحمل مرثية جنائزية مكتوبة باليونانية القديمة، ومائدة قرابين وحوض للتطهير من الحجر الرملي، إضافة إلى مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية وعملة برونزية تحمل نقشاً بارزاً للإمبراطور الروماني قسطنطين.

وتبدأ المقبرة بسلم مكون من 14 درجة يؤدي إلى مدخلها الرئيسي المشيد من الحجر الرملي على الطراز المصري، والمزين بنقوش وكتابات هيروغليفية منفذة بالنحت الغائر تتضمن تعاويذ وتلاوات جنائزية للحماية.

ري فريد لأول مرة في الجبانة

ويُعد المدخل الحجري من العناصر المعمارية المتميزة والفريدة من نوعها بجبانة بئر الشغالة، حيث يتوجه كورنيش مصري تزينه الشمس المجنحة وحيتا الكوبرا، يليه عنصر معماري على هيئة حزمة من أعواد البوص.

ويحمل العتب العلوي للمدخل منظراً جنائزياً نادراً يظهر للمرة الأولى في مقابر الجبانة، يمثل الساعة السابعة من كتاب «الإيمي دوات»، أحد كتب العالم الآخر في مصر القديمة، بينما تمتد النقوش على جانبيه لتتضمن نصوصاً ومناظر مرتبطة بصاحبي المقبرة. وقد عُثر على المدخل مغلقاً بسدة حجرية تحمل هيئة أوزيرية تحيط بها مجموعة من التعاويذ.

ويؤدي المدخل إلى صالة مستعرضة مشيدة من الطوب اللبن ذات سقف مقبى، وإلى يمين الصالة حجرتان للدفن مشيدتان من الطوب اللبن ومغطاتان بطبقة من الملاط، يعلوهما الشكل الهرمي للمقبرة. كما كشفت البعثة في الجزء العلوي عن مقصورة مشيدة من الطوب اللبن تعلو المدخل الرئيسي، وأمامها مزار جنائزي يضم أربعة أعمدة مربعة مشيدة من الطوب اللبن، ما يشير إلى احتمال إعادة استخدام المقبرة في فترة لاحقة.

مرثية يونانية لقاضٍ وعملة لقسطنطين

من أبرز ما أسفرت عنه الحفائر، لوحة حجرية جنائزية مستطيلة الشكل تنتهي من أعلى بشكل جمالوني يتوسطه قرص الشمس منفذ بالنحت البارز، مثبتة بالجدار الجنوبي للشكل الهرمي. وتحمل اللوحة نصاً مكتوباً بالمداد الأحمر باليونانية القديمة، عبارة عن قصيدة رثاء جنائزية مكونة من 19 سطراً، خُصصت لشخص يدعى «بيسيختيس»، وتشير الدراسة الأولية إلى أنه ربما كان يشغل منصب قاضٍ. وتؤرخ المرثية إلى أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الميلادي، وتقدم شاهداً مهماً على ازدهار الحياة الأدبية والثقافية في الواحات خلال العصر الروماني.

بئر الشغالة.. جبانة عاصمة الواحة

تُعد منطقة بئر الشغالة واحدة من المواقع الأثرية المهمة في الواحات الداخلة، إذ تمثل إحدى جبانات مدينة “موط”، عاصمة الواحة خلال العصرين البطلمي والروماني، بينما جاءت التسمية الحديثة للمنطقة نسبة إلى بئر مياه كان يُعرف باسم “بئر الشغالة”.

وبدأت أعمال حفائر المجلس الأعلى للآثار في المنطقة عام 2002، وأسفرت المواسم المتعاقبة عن اكتشاف العديد من المقابر ذات التخطيطات والطرز المعمارية المتنوعة.

ويتكون التخطيط الداخلي لعدد من هذه المقابر من صالة أمامية تؤدي إلى حجرات للدفن، عُثر داخل بعضها على توابيت حجرية وفخارية، بينما اتخذت أسقف الحجرات عادة الشكل المقبى وشُيدت إما من الحجر الرملي أو الطوب اللبن المصنوع من الطفلة المحلية.

وتكشف مقابر الجبانة عن نمط معماري يجمع بين العناصر المصرية القديمة والتأثيرات التي ظهرت خلال العصرين البطلمي والروماني. فمنها الطراز المصري الذي يضم فناءً مكشوفاً، قد يتحول في بعض المقابر إلى سلم تكتنفه مذابح يُرجح استخدامها في إقامة الطقوس الجنائزية في الهواء الطلق. كما تتميز بعض المقابر بطابق علوي يضم مزاراً جنائزياً يعلوه شكل هرمي، وتشير طبيعة هذه المقابر وعناصرها المعمارية والفنية إلى أن الجبانة ربما خُصصت لدفن أفراد من علية القوم من سكان عاصمة الواحة خلال العصر الروماني.

وتزين جدران وأسقف عدد من هذه الحجرات مناظر ونصوص جنائزية مستمدة من كتب العالم الآخر في مصر القديمة، إلى جانب بعض العناصر اليونانية والرومانية، في مزيج يعكس طبيعة المعتقدات والعادات التي عرفها سكان مدينة «موثيس» القديمة.

سجل الاكتشافات السابقة في الموقع

لم يكن كشف 2026 هو الأول في بئر الشغالة، بل سبقته مواسم مهمة: موسم 2017 – خمس مقابر رومانية: في 23 أغسطس 2017، أعلنت وزارة الآثار المصرية اكتشاف خمس مقابر أثرية تعود للعصر الروماني بمحافظة الوادي الجديد، وعثرت عليها البعثة المصرية في منطقة بئر الشغالة.

وقال رئيس قطاع الآثار آنذاك إن المقابر مشيدة من الطوب اللبن، المقبرة الأولى تتكون من مدخل يؤدي إلى صالة مستعرضة، ومنها إلى حجرتين للدفن وتنتهي بشكل هرمي، والمقبرة الثانية لها سقف مقبي وتتكون من مدخل يؤدي بدوره إلى حجرة الدفن مباشرة، أما المقبرة الثالثة فقد تم الكشف عن الجزء العلوي منها فقط، وهي على شكل هرمي مصمت، فيما تشترك المقبرتان الرابعة والخامسة في مدخل واحد، ولكل منهما حجرة للدفن ذات سقف مقبي.

وتم العثور داخلها على أجزاء من ماسك لوجه آدمي من الجبس عليه طلاء باللون الأصفر، ومجموعة من الأواني والمسارج الفخارية، وأوستراكا إحداها عليها كتابات هيروغليفية والأخرى هيراطيقية، بالإضافة إلى مبخرة من الفخار، وجزء من قاعدة لتمثال صغير من الحجر الرملي على شكل أبو الهول. وتقع المنطقة وسط ثلاثة مواقع أثرية أخرى، وتستمر فيها أعمال الحفائر للكشف عن المزيد من الأسرار.

دلالات الكشف وأهميته العلمية

أكد السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن هذا الكشف يعكس ما تزخر به الواحات المصرية من ثراء وتنوع أثري وحضاري، وما تحمله من شواهد مهمة على تعاقب الحضارات التي شهدتها مصر عبر العصور.

وأوضح الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية الكشف الجديد تكمن في ما تتميز به المقبرة من عناصر معمارية ونقوش ونصوص جنائزية تقدم معلومات مهمة عن الممارسات الجنائزية والحياة الثقافية والدينية في الواحات الداخلة خلال العصر الروماني.

ويؤكد الكشف الجديد فرضية أن جبانة بئر الشغالة لم تكن مقبرة عادية، بل جبانة نخبوية لمدينة موط، حيث التقى الفكر المصري القديم ممثلاً في كتاب الإيمي دوات والقرص المجنح، مع الأدب اليوناني في شكل مرثية شعرية، والسلطة الرومانية ممثلة في عملة قسطنطين، في مقبرة واحدة عمرها نحو 1800 عام.

اترك رد