أقسى ما في اليُتم أن يكبر الطفل..قبل أن يجد من يطمئنه أنه ما زال صغيرًا، وليس اليُتم شكلًا واحدًا من الفقد.
هناك طفل عرف أباه ثم فقده، وطفلة عاشت حضن أمها ثم غاب، وطفل فقد والديه معًا..وهناك من لم يعرفهما أصلًا، وكبر وفي داخله سؤال لا يجد له وجهًا ولا اسمًا..كيف يكون شكل الأهل الذين لم أعرفهم؟
لكنهم جميعًا يشتركون في شيء واحد: الحاجة إلى الأمان.
ذلك الشعور الذي يجعل الطفل ينام مطمئنًا لأنه يعرف أن هناك من سيبحث عنه إذا خاف، ومن يسمعه إذا بكى، ومن يقول له دون شروط:أنا هنا.
المشكلة أننا أحيانًا نختصر رعاية الطفل فاقد الرعاية الأسرية في الطعام والملابس والتعليم.
نطعمه، نكسوه، نعلّمه..
ثم نظن أننا فعلنا ما علينا، لكن ماذا عن قلبه؟
من يرافق خوفه؟ من يفهم غضبه؟
من يحتفل بنجاحه؟ من يعرف موهبته؟ومن يبقى إلى جواره عندما تنتهي سنوات الرعاية الرسمية ويبدأ العالم الحقيقي؟
هنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية، فالرحمة قبل العلم، والإنسان قبل الملف، ونحن لا نحتاج فقط إلى أماكن أكثر للأطفال.. نحتاج إلى نظام يرى الطفل كإنسان له مستقبل، لا كحالة تحتاج إلى رعاية مؤقتة.
منذ لحظة فقد الأب أو الأم، أو منذ اكتشاف طفل بلا رعاية أسرية، يجب أن يبدأ له «ملف حياة» لا «ملف إعانة».
ملف يعرف تعليمه، وصحته، وحالته النفسية، ومواهبه، وعلاقاته، واحتياجاته، وأحلامه.
وتُراجع هذه الخطة معه ومع من يرعاه كلما تغيرت حياته.
إذا تعثر في المدرسة، لا نكتفي بدرجاته؛ نبحث عن السبب.. إذا تغير سلوكه، لا نسارع إلى وصفه بالمشاغب؛ نسأل عما يؤلمه، وإذا انعزل، لا نقول: «هكذا هو».
بل نسأل: ماذا يحدث داخله؟
والأهم: أن يكون في حياة الطفل شخص بالغ ثابت، ليس موظفًا يتغير بتغير الورديات، ولا اسمًا في ملف، شخص يعرفه، يعرف قصته، يستطيع الطفل أن يتصل به عندما ينجح أو يفشل، عندما يخاف أو يحتار، ويعرف أنه لن يختفي من حياته لمجرد انتقاله من مكان إلى آخر.
ثم هناك شيء لا يجوز أن ننساه: لا ينبغي أن يؤدي فقد الأب أو الأم إلى فقد الأسرة كلها، وإذا كان للطفل إخوة، فالحفاظ على روابطهم يجب أن يكون جزءًا من الرعاية متى كان ذلك آمنًا وممكنًا، وإذا كانت هناك أسرة أو أقارب يمكن أن يوفروا بيئة آمنة، فالأولوية يجب أن تكون للحياة الأسرية لا للعزلة المؤسسية.
حتى ذكرياته يجب ألا تُمحى.. صوره..اسمه..قصته.. الأسئلة التي لم يجد لها إجابة، فالطفل الذي لم يعرف والديه قد يكبر وهو يسأل:من كنت؟ ومن أين جئت؟
ومن حقه أن يحصل على إجابات تحفظ كرامته وهويته، لا أن يعيش طوال عمره أمام فراغ لا يعرف كيف يملؤه.
والطفل نفسه يجب أن يكون له صوت في القرارات التي تخص حياته، بما يناسب عمره ونضجه، فليس كل طفل يحتاج إلى الشيء نفسه، واحد يحتاج أسرة حاضنة.
آخر يحتاج إلى البقاء قريبًا من إخوته، يحتاج إلى دعم نفسي، لديه موهبة تحتاج إلى من يكتشفها.
ربما لا يحتاج أكثر من شخص يؤمن به في الوقت المناسب، لا يوجد طفل واحد اسمه «يتيم»… هناك أطفال، ولكل واحد منهم قصة واحتياج وحلم.
ثم تأتي المشكلة التي نؤجلها دائمًا:
ماذا يحدث عندما يكبر؟
هل ينتهي اليُتم في الثامنة عشرة؟
هل يصبح الإنسان مستعدًا للحياة بمجرد أن يتغير الرقم في بطاقته؟
العمر القانوني ليس عمرًا نفسيًا.
لذلك يجب أن تمتد الرعاية إلى مرحلة الاستقلال: تعليم، تدريب مهني، عمل، سكن، صحة، دعم نفسي، إدارة المال، مهارات الحياة، ومتابعة حقيقية بعد الخروج من الرعاية.
ولا ننتظر حتى يخرج الشاب ثم نسأله: «ماذا ستفعل؟» بل نبدأ تدريبه على الاستقلال قبل أن يخرج بسنوات.
ومن الأفكار التي تستحق أن نبدأ بها أيضًا:
أن يصبح من عاش التجربة ونجح جزءًا من شبكة الأمان لمن يعيشها الآن.
شاب خرج من الرعاية، أكمل تعليمه، عمل، وبنى حياته..
يمكن أن يكون مرشدًا لطفل آخر.
لا ليحكي له قصة نجاح، بل ليقول له:
أنا كنت مكانك..وأعرف الطريق.
وهكذا لا يتحول الإنسان الذي خرج من دائرة الرعاية إلى شخص منسي، بل يصبح جزءًا من الحل.
لكن المسؤولية ليست مسؤولية الدولة وحدها.
الدولة تستطيع أن تضع النظام، وتضمن التمويل، والمتابعة، والمساءلة، والاستمرارية.
لكن المجتمع يستطيع أن يقدم شيئًا لا تستطيع أي لائحة أن تكتبه: العلاقة الإنسانية.
مدرس يرى موهبة.
طبيب يلاحظ وجعًا.
أخصائي يسمع ما وراء السلوك.
أسرة تمنح طفلًا مكانًا يشعر فيه أنه ينتمي.
شركة تفتح باب تدريب أو عمل.
شخص بالغ يقرر أن يكون حاضرًا في حياة طفل، لا أن يقدم له هدية ثم يختفي.
نحن لا نريد مجتمعًا يعطي الطفل أكثر.
نريد مجتمعًا يترك في حياته أقل قدر ممكن من الفراغ.
ولهذا، إذا أردنا أن نوجه نداءً إلى الدولة وأصحاب الرحمة، فليكن النداء واضحًا: لا تجعلوا الرعاية محطة..اجعلوها جسرًا إلى الحياة، لا تسألوا: كم أنفقنا على الطفل؟
اسألوا: هل أصبح أكثر أمانًا؟ هل وجد من ينتمي إليه؟ هل يعرف من هو؟
هل احتفظ بعلاقاته؟ هل اكتشف موهبته؟
هل تعلم كيف يدير حياته؟
وعندما خرج من الرعاية..هل وجد بابًا مفتوحًا؟
هذه هي الرعاية الحقيقية.
ليست أن نمسك بيد الطفل كلما سقط،بل أن نبني حوله ما يقلل سقوطه، ثم نعلّمه كيف يقف، ونحن ما زلنا إلى جواره، لأننا لا نستطيع أن نعيد من رحلوا، لكننا نستطيع ألا نترك طفلًا يدفع ثمن غيابهم طوال عمره.
ما زلت صغيرًا..عرفتُ من فقدت، أو لم أعرفهم أصلًا؛ فلا تجعلوا الغياب يقنعني أنني بلا أهل ولا سند. امنحوني أمانًا أشعر فيه بالانتماء، ويدًا أطمئن إليها.. وعلّموني أنني، حتى حين يغيب الجميع، لست وحدي؛ فلي ربٌّ لا يغيب.
اللهم كن لكل طفلٍ أوجعه الفقد، وارزقه أمانًا وأهلًا وسندًا لا يغيب.
يا رب، إذا غاب عنه الجميع، فلا تغب عنه… وعوّض قلبه حتى يطمئن أنه لم يكن يومًا وحده، فهو ما زال صغيرًا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم