تقرير: أحمد فؤاد
تكرار وقوع الزلازل في عدد من دول العالم، تتزايد تساؤلات المواطنين حول الموقف الشرعي من هذه الظواهر، وما ينبغي على المسلم أن يفعله عند وقوعها، وهل تعد عقوبة أم ابتلاءً أم مجرد سنة كونية؟
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور علاء الغريزي، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن الإسلام يقدم رؤية متوازنة تجمع بين الإيمان بالقضاء والقدر، والأخذ بالأسباب العلمية، والرجوع إلى الله تعالى بالدعاء والاستغفار والتوبة.
الزلازل آية من آيات الله
يقول الدكتور علاء الغريزي إن الزلازل من الآيات الكونية التي يجريها الله سبحانه وتعالى وفق سننه في الكون، وهي تذكير للإنسان بضعفه وقدرة خالقه، مستشهدًا بقول الله تعالى:
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
كما يلفت إلى أن القرآن الكريم صور مشهد الزلزلة الكبرى يوم القيامة في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1].
وقال سبحانه:
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1-2].
لا يجوز الجزم بأنها عقوبة
ويشدد أستاذ الدراسات الإسلامية على أنه لا يجوز لأحد أن يجزم بأن كل زلزال عقوبة إلهية على قوم بعينهم، لأن ذلك من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، موضحًا أن البلاء قد يكون عقوبة، وقد يكون ابتلاءً، أو رفعًا للدرجات، أو تذكيرًا للعباد، وأن الواجب هو الاتعاظ والرجوع إلى الله دون إصدار أحكام على الناس.
ماذا يفعل المسلم عند وقوع الزلازل؟
يوضح الدكتور الغريزي أن السنة النبوية ترشد المسلم عند نزول النوازل إلى كثرة الدعاء والذكر والاستغفار، والتوبة إلى الله، والإكثار من الأعمال الصالحة والصدقات، مع الالتزام بتعليمات الجهات المختصة حفاظًا على الأرواح.
ويستشهد بحديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا رأى ما يخاف منه قال:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ». (رواه مسلم).
كما يؤكد أن النبي ﷺ قال:
«لا يَرُدُّ القَدَرَ إلا الدعاء» (حسنه عدد من أهل العلم).
ويضيف أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وهو ما يدل على أن الصلاة من أعظم ما يلجأ إليه المسلم عند الشدائد.
أدعية مأثورة يستحب الإكثار منها
ويشير الدكتور الغريزي إلى أنه لم يثبت عن النبي ﷺ دعاء مخصوص للزلازل، إلا أن المسلم يدعو بما تيسر من الأدعية المشروعة، ومنها:
- اللهم إنا نسألك السلامة والعافية في الدنيا والآخرة.
- اللهم احفظنا واحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
- اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك. (رواه مسلم).
- حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
- أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
- والإكثار من الصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ.
الأخذ بالأسباب عبادة
ويؤكد أستاذ الدراسات الإسلامية أن الأخذ بالأسباب العلمية لا ينافي التوكل على الله، بل هو من تمام التوكل، فالإسلام يدعو إلى حماية النفس، وهي من أعظم مقاصد الشريعة، ولذلك يجب الالتزام بتعليمات أجهزة الحماية المدنية والجهات المختصة عند وقوع الزلازل أو الكوارث.
مواجهة الشائعات وقت الأزمات
ويحذر الدكتور علاء الغريزي من نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثقة، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
كما يدعو إلى نشر روح التكافل والتراحم بين الناس، وإغاثة المنكوبين، ومساندة المتضررين، اقتداءً بقول النبي ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». (متفق عليه).
رسالة إيمانية
ويختتم الدكتور علاء الغريزي بالتأكيد على أن المؤمن يستقبل الشدائد بقلب عامر بالإيمان، ولسان رطب بذكر الله، ونفس مطمئنة بقضائه وقدره، مستحضرًا قول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 156-157].
ويؤكد أن هذه المواقف ينبغي أن تكون دافعًا لتجديد الإيمان، والإكثار من التوبة والاستغفار، والتعاون على البر والتقوى، مع اليقين بأن رحمة الله تعالى أوسع من كل شيء، وأن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن مع العسر يسرًا.

موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم