الخسوف الكلي للقمر يبهر سماء العرب.. والأزهر للفلك يوضح المسارات والأسرار

كتب:مصطفى علي
تشهد مصر وعدد من الدول العربية مساء اليوم الأحد ظاهرة كونية نادرة ينتظرها عشاق الفلك بشغف، وهي الخسوف الكلِّي للقمر الذي يتزامن مع اكتمال البدر وفي هذه اللحظة الفريدة يتلون القمر باللون الأحمر الداكن فيما يُعرف بـ”القمر الدموي”، ليقدم لوحة ربانية بديعة تذكّر بقدرة الله تعالى وعظمة صنعه.
وبينما يتابع العالم هذه الظاهرة المهيبة، حرص مركز الأزهر العالمي للفلك الشرعي وعلوم الفضاء بمجمع البحوث الإسلامية على توضيح المراحل الدقيقة التي يمر بها القمر خلال مشهد الخسوف، إلى جانب التذكير بالدلالات الروحية التي ينبغي للمسلم أن يتوقف عندها.
توقيتات الظاهرة الفلكية بدقة
وفقًا لتقارير مركز الأزهر العالمي للفلك، يبدأ ظهور القمر مع شروقه في تمام الساعة 7:16 مساءً، حيث يدخل أولى مراحل الخسوف ومع حلول الساعة 8:31 مساءً يبدأ الخسوف الكلِّي رسميًّا، ليبلغ ذروته عند 9:12 مساءً حين يتخذ القمر لونه الأحمر القاني فيما يُسمى بـ”القمر الدموي”.
وتستمر هذه الظاهرة حتى الساعة 9:53 مساءً، حيث تبدأ مرحلة خروج القمر من ظل الأرض تدريجيًا لينتهي المشهد مع اكتمال البدر في صورته الطبيعية.
شرح علمي لمسارات القمر أثناء الخسوف
أوضح مركز الأزهر للفلك أن القمر يمر خلال هذه الظاهرة بعدة مسارات متتابعة:
المسار (1): بداية دخول القمر في مرحلة الخسوف الجزئي.
المسار (2): دخوله منطقة شبه الظل للأرض.
المسارات (3، 4، 5): يشهد خلالها القمر مرحلة الخسوف الكلِّي، حيث يظهر بلونه الأحمر المميز نتيجة انعكاس أشعة الشمس بعد مرورها عبر الغلاف الجوي للأرض.
المساران (6، 7): بدء خروج القمر من منطقة الظل الكلِّي، متجهًا تدريجيًا نحو منطقة شبه الظل، حتى يعود في نهاية المشهد إلى صورته المضيئة المعتادة.
لماذا يظهر القمر باللون الأحمر؟
بيّن المركز أن الخسوف لا يحدث إلا عندما يكون القمر بدرًا في منتصف الشهر العربي، أي عندما تكون الأرض بين الشمس والقمر على خط واحد وفي هذه الحالة يدخل القمر أحيانًا في ظل الأرض.
وخلال الخسوف الكلِّي، يكتسب القمر لونه الأحمر الدموي بسبب مرور أشعة الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض، حيث يقوم الغلاف الجوي بتشتيت الألوان ذات الطول الموجي القصير مثل الأزرق والأخضر، بينما يبقى اللون الأحمر ليصل إلى سطح القمر وينعكس منه نحو الأرض.
لم يقتصر حديث مركز الأزهر العالمي للفلك على الجانب العلمي فقط، بل أكد أن هذه الظاهرة هي في المقام الأول آية من آيات الله في كونه، تذكيرًا بقدرته ووحدانيته، لا ترتبط بموت أحد ولا بحياته.
واستشهد المركز بحديث النبي ﷺ:
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ».
وبذلك، يدعو الأزهر الشريف المسلمين إلى استحضار الجانب الروحي عند مشاهدة الظاهرة، وإحياء سنة النبي ﷺ بإقامة صلاة الخسوف والدعاء والتضرع إلى الله.
الخسوف بين العلم والإيمان
يجمع مشهد الخسوف الكلِّي بين بعدين متكاملين:
البعد العلمي: حيث يوضح العلماء المراحل الدقيقة للظاهرة وأسبابها الفيزيائية المرتبطة بحركة الأجرام السماوية.
البعد الإيماني: الذي يرسخه الإسلام باعتبارها رسالة تذكير بقدرة الخالق، وليست مجرد مشهد فلكي عابر.
هذا التوازن بين العلم والإيمان هو ما يحرص الأزهر على ترسيخه في وعي الناس، مؤكدًا أن دراسة الظواهر الطبيعية لا تنفي كونها آيات ربانية عظيمة
حضور جماهيري وشغف فلكي
تتوقع المراصد الفلكية والجهات المختصة إقبالًا كبيرًا من المهتمين بالظواهر السماوية، سواء من طلاب العلم الشرعي والعلمي، أو من عامة الناس الذين يجدون في هذه المشاهد فرصة للتأمل والتدبر.
كما تنظم بعض المراكز العلمية بالتعاون مع الجامعات فعاليات للرصد المباشر باستخدام التلسكوبات، مع تقديم شروحات مبسطة عن الظاهرة للزوار.
الأزهر والفلك: تاريخ ممتد
جدير بالذكر أن للأزهر الشريف تاريخًا طويلًا في الاهتمام بعلم الفلك، حيث شكّل جزءًا أصيلًا من العلوم التي كانت تُدرّس في رحابه منذ قرون واليوم، من خلال مركز الأزهر العالمي للفلك الشرعي وعلوم الفضاء، يواصل الأزهر هذا الدور، جامعًا بين خدمة العلم الحديث، والتمسك بالمنهج الشرعي الوسطي.
إن الخسوف الكلِّي للقمر مساء اليوم ليس مجرد حدث فلكي ينتظره العلماء والهواة، بل هو رسالة ربانية متجددة تذكّر الإنسان بضعفه أمام عظمة الخالق، وتدعوه إلى التوبة والرجوع إلى الله.
ومع كل خسوف وكسوف، يجدد الأزهر دعوته للناس بأن يكون النظر إلى السماء مقرونًا بالخشوع، وأن يكون التأمل في الكون مدخلًا لتعظيم الخالق والإكثار من ذكره.



