الإعلامية هيام أحمد : تكتب «سوق الخسارة»

كلما دخلنا السوق خرج شيء منا دون أن نضعه في الكيس.
وهكذا يتحول السوق من مجرد مكان للبيع والشراء، إلى مسرح نختبر فيه حدودنا ندخل السوق فلا نشتري احتياجاتنا فقط
نشتري قدرتنا على الإحتمال. سوق الخسارة ليس مكانا محددا
هو حالة عامة تسكن الشوارع والبيوت والقلوب.
ندخله كل صباح بجيوب أخف من مطالبنا وبصدور أثقل من قدرتنا على الشرح.

في هذا السوق لا تباع السلع فقط، تباع الطمأنينة بالتقسيط،
وتعرض الكرامة أحيانا في شكل تنازلات صغيرة، ويصبح الصبر سلعة يومية لا تنفد. نقف أمام الأسعار كأننا نقف أمام مرايا قاسية،
نحسب ثم نعيد الحساب، نحذف أشياء من القائمة،
ثم نحذف أشياء من رغباتنا، ثم نحذف أشياء من أنفسنا.
الخسارة هنا ليست أرقاما فقط، هي طاقة تستنزف وأعصاب تشد،
وأحلام تؤجل حتى إشعار آخر. نعمل أكثر لنشتري أقل، ونبتسم أكثر كي لا يلاحظ أحد أننا نختنق.

البائع يحاول أن ينجو قبل أن يربح، الأب يخفي ارتباكه خلف صوته الحازم، الأم تبدع في فن الاستغناء، والشباب يحسبون أحلامهم كما نحسب العملات المعدنية، ويتعلمون مبكرا أن الطموح يحتاج إلى ميزانية. وحين يطول البقاء في سوق الخسارة،
يتسلل إلينا شعور خفي بأن هذا هو الطبيعي،نصالح الألم،ونبرر الضيق،
ونقنع أنفسنا أن النجاة الفردية تكفي. وهنا تتحول الخسارة من ظرف إلى قناعة، ومن مرحلة إلى هوية.

وصلنا إلى هنا يوم سمحنا للسوق أن يعرّفنا، فاختزلنا أنفسنا فيما نملك لا فيما نكون. لكن الحقيقة التي نحاول نسيانها أن قيمتنا لا تقاس بما في أيدينا، ولا بحجم ما نستطيع شراءه، ولا بعدد الأشياء التي استغنينا عنها. الإنسان لا يصبح أقل لأنه اضطر للاختصار، ولا يصبح صغيرا لأنه تأخر في الوصول. ما يحتاج أن يتغير ليس فقط السوق،
بل طريقتنا في الوقوف داخله. أن نرفض أن نختصر أنفسنا في رقم،
أن نتمسك ببعضنا بدلا من أن نتزاحم فوق بعضنا

أن نصنع دوائر أمان صغيرة في بيوتنا وصداقاتنا وأعمالنا،
نتشارك فيها العبء بدلا من أن نحمله وحدنا.أن نتقن مهارة، أن ندعم بعضنا بكلمة صادقة، أن نحمي ما تبقى من إنسانيتنا كأنه رأس المال الحقيقي. فالأسعار قد ترتفع لكن السقوط يبدأ حين تنخفض معاييرنا نحن. وقبل أن نغادر هذا السوق كل يوم، اسأل نفسك:

هل خسرت مالا فقط، أم خسرت شيئا من روحك؟
لأن الحقيقة التي يجب أن تبقى ترند في وعينا قبل شاشاتنا:
أغلى ما فينا ليس ما نشتريه، بل ما نرفض أن نبيعه مهما اشتد الغلاء.
اللهم لا تجعل ضيق الرزق ضيقا في صدورنا،
ولا تجعل قلة المال قلة في كرامتنا،
وازرع في قلوبنا يقينا يرفعنا فوق كل خسارة.
اللهم آمين يارب العالمين.

عن هيام احمد

شاهد أيضاً

“بسنت”.. وفلسفة الألم الصامت !

بقلم: د.حنان سالم (دكتوراة الفلسفة المعاصرة كلية الآداب – جامعة العريش) انتهي الحدث والحادثة ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *