وكيل الطب البيطري في حوار لـ«اليوم»: «افتح مجزرًا.. تُغلق مستشفى».. وضبط 10 أطنان لحوم فاسدة خلال 60 يومًا

ثمة ملفات صحفية لا تحتمل رفاهية المواربة، لأنها تتقاطع بصورة مباشرة مع الأمن الغذائي للمواطن وصحته العامة. ومن قلب صعيد مصر، وتحديدًا محافظة المنيا، فتحنا ملف الرقابة البيطرية وصحة الغذاء والثروة الحيوانية في حوار اتسم بالمكاشفة وعرض الأرقام مع الدكتور رمضان توفيق، وكيل وزارة الطب البيطري بالمنيا.

وعلى مدار ساعتين، لم نكتفِ بطرح الأسئلة التقليدية، بل غصنا في عمق استراتيجية المديرية التي توازن بين الرقابة الصارمة على الأسواق، وحملات التحصين لحماية الثروة الحيوانية، وصولًا إلى تطبيق معايير حديثة في ملف الكلاب الضالة ومكافحة السعار. حوار صيغ بلغة الأرقام وفلسفة العمل الميداني.. وإلى نص الحوار:

دكتور رمضان، رصدنا مرارًا تفشي ظاهرة الذبح خارج المجازر الرسمية وما يتبعها من كوارث صحية. دعنا نبدأ من الشعار الذي ترفعونه دائمًا في أروقة المديرية ويحمل بعدًا وقائيًا عميقًا.. ماذا تعنون به على أرض الواقع؟

في البداية دعني أخبرك أن فلسفتنا في العمل نلخصها دائمًا في عبارة نعتبرها دستورًا لنا: «افتح مجزرًا.. تُغلق مستشفى». هذه ليست مجرد حكمة عابرة، بل حقيقة علمية وطبية راسخة. فالمجزر الحكومي ليس مكانًا للذبح فقط، بل هو خط الدفاع الأول عن صحة الإنسان. عندما يمر الحيوان بالفحص الطبي الدقيق قبل الذبح وبعده، فإننا نحمي المستهلك من أكثر من 200 مرض مشترك بين الإنسان والحيوان، على رأسها السل والبروسيلا. وبالتالي، فإن كل كيلوغرام من اللحوم يتم ذبحه تحت إشرافنا يمثل خطوة لحماية المواطنين من الأمراض، ويسهم في تخفيف العبء عن المستشفيات والمنظومة الصحية للدولة.

هذا الشعار يضعنا مباشرة أمام حصاد حملاتكم التفتيشية الأخيرة. شهد شهرا أبريل ومايو حركة دؤوبة لفرق التفتيش البيطري في مختلف مراكز المحافظة؛ فما هي المحصلة الرقابية خلال هذه الفترة؟

تحركاتنا لم تهدأ طوال الستين يومًا الماضية، حيث اعتمدنا على حملات مفاجئة بالتنسيق مع مباحث التموين ومديرية التموين ومديرية الصحة. وبلغة الأرقام، نجحنا في تحرير 294 محضرًا للمخالفين، بواقع 167 محضرًا خلال شهر أبريل، و127 محضرًا خلال شهر مايو.

وقد أسفرت هذه الحملات عن ضبط ومصادرة كميات كبيرة من اللحوم والدواجن والأسماك بلغت 9462.655 كيلوغرامًا، أي ما يقارب 10 أطنان. وعلى إثر ذلك قامت المديرية بتكريم الأطباء وأعضاء الفرق البيطرية تقديرًا لجهودهم المتميزة.

عشرة أطنان خلال شهرين رقم ضخم ومقلق في الوقت نفسه.. ما طبيعة هذه المضبوطات؟ وهل كانت جميعها غير صالحة للاستهلاك؟

انقسمت المضبوطات إلى شقين؛ الأول يتمثل في لحوم مذبوحة خارج المجازر الحكومية وخارج الإطار القانوني، وهنا نطبق القانون بكل حزم للحد من الذبح العشوائي. أما الشق الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في لحوم ومصنعات غذائية فاسدة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي، سواء بسبب التلف أو انتهاء الصلاحية أو ناتجة عن ذبح حيوانات مريضة.

وقد تم التحفظ على جميع المضبوطات، وتحرير المحاضر اللازمة، وإحالة المخالفين إلى النيابة العامة. كما لاحظنا زيادة كبيرة في الإقبال على الذبح داخل المجازر الحكومية، حيث تجاوزت الأعداد خمسة أضعاف ما كانت عليه سابقًا، نتيجة الحملات التفتيشية المكثفة وتعزيز الشعور بالرقابة.

ننتقل من أسواق اللحوم إلى الحقول والمزارع. الثروة الحيوانية في مصر تعد ركيزة للأمن الغذائي القومي، وقد اختتمتم مؤخرًا الحملة القومية للتحصين ضد الحمى القلاعية والوادي المتصدع. كيف واجهتم التحديات الميدانية للوصول إلى المربين؟

المنيا محافظة واسعة جغرافيًا وتضم كتلة ريفية كبيرة، وحماية هذه الثروة تتطلب فكرًا غير تقليدي. وخلال الحملة القومية الأخيرة، نجحنا في تحصين 167 ألف رأس ماشية ضد مرضي الحمى القلاعية وحمى الوادي المتصدع.

ولم ننتظر المربين للحضور إلى الوحدات البيطرية، بل دفعنا بفرق بيطرية متنقلة وصلت إلى النجوع والعزب والقرى النائية في الظهير الصحراوي. ولم يكن هذا الإنجاز ليتحقق لولا جهود لجان التوعية والإرشاد البيطري التي أقنعت المربين بأهمية التحصين باعتباره خط الدفاع الأول لحماية استثماراتهم وثرواتهم الحيوانية من الأمراض الوبائية.

دعنا ننتقل إلى الملف الأكثر إثارة للجدل في الشارع، والذي يمثل تحديًا يوميًا لسلامة المواطنين، وهو ملف الكلاب الضالة ومكافحة السعار. كيف تتعامل مديرية الطب البيطري بالمنيا مع هذا الملف؟

نتعامل مع هذا الملف وفقًا للقانون رقم 29 لسنة 2023، وبتوجيهات الهيئة العامة للخدمات البيطرية ومحافظ المنيا. وقد شهد الملف تحولًا جذريًا في الفكر البيطري الحديث، ونحن نطبق هذا التوجه بكل دقة.

لقد ابتعدنا عن الأساليب التقليدية التي أثبتت الدراسات العلمية محدودية جدواها، فضلًا عن آثارها السلبية على التوازن البيئي، حيث قد تؤدي إلى ظهور حيوانات أو زواحف أكثر خطورة داخل المناطق السكنية. ولذلك نعتمد حاليًا على الاستراتيجية الوطنية لمكافحة السعار والتحكم في أعداد الحيوانات الضالة وفق أسس علمية وبيئية متوازنة.

وما الآلية التنفيذية التي تطبقونها على أرض الواقع؟

نعمل على إنشاء وتفعيل دور الشلاتر (الملاجئ المؤقتة للحيوانات) بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالرفق بالحيوان. وتبدأ العملية بتجميع الكلاب الضالة وتحصينها ضد مرض السعار لحماية المواطنين، ثم الانتقال إلى الشق الجراحي الخاص بمنع التكاثر العشوائي وتقليل الأعداد على المدى المتوسط والطويل.

كما دفعنا بفرق وسيارات بيطرية مجهزة تجوب الشوارع والأحياء السكنية لتنفيذ هذه المهام وفق خطة متكاملة.

ما طبيعة العمليات الجراحية التي تُجرى داخل هذه الشلاتر؟

يقوم الأطباء البيطريون المتخصصون بإجراء عمليات الإخصاء لذكور الكلاب، وعمليات استئصال الرحم للإناث، بهدف منع التكاثر العشوائي. وبعد انتهاء فترة النقاهة والتأكد من سلامة الحيوان صحيًا، تتم إعادته إلى البيئة التي جُمِع منها.

قد يتساءل البعض: ما جدوى إعادة الكلاب إلى الشارع بعد تعقيمها وتحصينها؟

هنا تكمن فلسفة التوازن البيئي. فالكلب الذي تم تحصينه وتعقيمه يصبح أقل عدوانية وغير ناقل لمرض السعار، كما أنه يحافظ على نطاقه الجغرافي ويمنع دخول كلاب أخرى غير محصنة أو حاملة للمرض إلى المنطقة نفسها.

وبذلك نحقق أكثر من هدف في وقت واحد؛ نحد من انتشار السعار، ونطبق مفهوم حصانة القطيع، ونضمن انخفاض أعداد الكلاب الضالة تدريجيًا بصورة طبيعية، دون الإخلال بالتوازن البيئي.

وفي ختام الحوار، بدا واضحًا أن الرقابة البيطرية في المنيا لم تعد مجرد عمل إداري أو رقابي تقليدي، بل أصبحت منظومة متكاملة تعتمد على العلم وتطبيق القانون لحماية صحة المواطنين والحفاظ على الثروة الحيوانية، بما يعزز الأمن الغذائي والصحة العامة داخل المحافظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *