«وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا».. تحقيق يرصد رسائل الزلازل في القرآن والسنة
هزة أرضية.. ورسائل إيمانية.. ماذا قال علماء الأزهر عن الزلزال الأخير؟
الزلازل ليست مادة للسخرية.. علماء الشريعة: آيات الله تدعو إلى التوبة لا إلى الضحك
بين الدعاء والاستهزاء.. تقرير يرصد الموقف الشرعي من السخرية وقت الزلازل
آيات تهز الأرض والقلوب.. علماء الأزهر: الزلازل دعوة للرجوع إلى الله
لا تجعلوا الزلازل مادة للترند.. علماء الشريعة يحذرون من الاستهانة بآيات الله
حين اهتزت الأرض.. علماء الشريعة يدعون إلى التوبة ويحذرون من السخرية

الدكتورعبدالغني الغريب طه، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق

الدكتور علاء الغريزي أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف

الدكتور مختار مرزوق عبد الرحيم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع أسيوط

الدكتور وديع محمد سرحان، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
تحقيق: أحمد فؤاد
في أعقاب الهزة الأرضية التي شعر بها عدد من المواطنين، انقسمت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي بين من هرع إلى الدعاء والاستغفار وذكر الله، وبين من تعامل مع الحدث بوصفه مادة للسخرية وصناعة “التريند”، فنُشرت مقاطع مصورة وتعليقات ساخرة، في مشهد أثار تساؤلات حول الموقف الشرعي من هذه الظاهرة، وكيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع الآيات الكونية التي يرسلها الله تعالى.
ويرى علماء الأزهر أن الزلازل ليست مجرد ظاهرة طبيعية فحسب، بل هي أيضًا من الآيات الكونية التي تذكّر الإنسان بعظمة خالقه وضعفه أمام قدرة الله سبحانه وتعالى، وتدعوه إلى مراجعة النفس والإكثار من الطاعات، مع التأكيد على أنه لا يجوز الجزم بأن زلزالًا بعينه وقع بسبب ذنب أو معصية محددة، لأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به، إلا أن القرآن الكريم بيّن أن هذه الآيات تحمل في عمومها رسالة تخويف وتذكير ورحمة بالعباد.
آيات الله للتذكير لا للسخرية
يؤكد الدكتور عبدالغني الغريب طه، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق، أن الزلازل والهزات الأرضية من الآيات الكونية التي توقظ القلوب من الغفلة، وتذكّر الإنسان بحقيقة الدنيا وسرعة زوالها، وتدعوه إلى تصحيح علاقته بالله تعالى.
ويضيف أن تحويل هذه الأحداث إلى مادة للضحك أو المزاح أو التنافس على جذب المشاهدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي يتنافى مع تعظيم شعائر الله، ويكشف عن غفلة خطيرة عن المقصود من هذه الآيات، مؤكدًا أن المؤمن إذا شاهد مثل هذه الأحداث ازداد خوفًا من الله ورجاءً في رحمته، واستحضر أن الإنسان مهما بلغ من قوة أو علم فإنه يظل عاجزًا أمام قدرة الله سبحانه وتعالى.
وأشار إلى أن هذه المواقف تستوجب التوبة والاستغفار والدعاء، لا الانشغال بإطلاق النكات أو تداول المقاطع الساخرة التي تميت الإحساس بعظمة آيات الله.
القرآن الكريم يبين الحكمة من الآيات الكونية
من جانبه، يقول الدكتور مختار مرزوق عبد الرحيم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع أسيوط، إن القرآن الكريم أوضح الحكمة العامة من إرسال الآيات الكونية، فقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
ويضيف أن هذه الآية الكريمة تؤكد أن بعض الظواهر الكونية تأتي لتذكير الإنسان بقدرة الله سبحانه وتعالى، حتى يراجع نفسه ويتوب إلى ربه، دون أن يعني ذلك الحكم على أشخاص أو مجتمعات بعينها بأن ما أصابها كان بسبب ذنب محدد.
واستشهد كذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1-2]، وقوله سبحانه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: 16]، موضحًا أن هذه الآيات تغرس في النفس تعظيم قدرة الله، وتدعو إلى سرعة الإنابة، والإقبال على الطاعات، وعدم الغفلة عن لقاء الله.
السخرية لا تليق بالمؤمن
أما الدكتور وديع محمد سرحان، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، فيؤكد أن السخرية من الزلازل أو تحويلها إلى وسيلة للترفيه يتنافى مع الأخلاق الإسلامية، لأن هذه المواقف تستوجب الخشوع والخوف من الله، لا اللهو والاستهزاء.
وأوضح أن المسلم مطالب بأن يكون قدوة في تعامله مع النوازل، فيلجأ إلى الله بالدعاء والاستغفار، ويكثر من الذكر والصلاة والصدقة، ويبتعد عن نشر المحتويات التي تفرغ الأحداث الجليلة من معناها الإيماني.
وأضاف أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تصنع وعيًا مؤثرًا لدى الشباب، وهو ما يجعل مستخدميها مطالبين بتحمل مسؤولية الكلمة، ونشر ما ينفع الناس، بدلًا من إشاعة روح السخرية والاستهانة بآيات الله.
الدكتور علاء الغريزي: الزلازل فرصة لمراجعة النفس
ويؤكد الدكتور علاء الغريزي، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، أن الزلازل من الآيات الكونية التي يبعثها الله تعالى لتذكير عباده بقدرته وعظمته، مشيرًا إلى أن الهدي النبوي عند نزول المخاوف والشدائد هو اللجوء إلى الله بالدعاء والتضرع.
واستشهد بما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك»، مؤكدًا أن هذا الدعاء، مع الإكثار من الاستغفار والذكر والتوبة، من أعظم ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه في مثل هذه الأوقات.
وأضاف أن السلف الصالح كانوا يتعاملون مع هذه الآيات بمنتهى الخشية، فقد روي أن زلزالًا وقع في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجمع الناس وقال: “والله ما اهتزت إلا لأمر أحدثتموه، والله لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا”، موضحًا أن هذا الأثر يعكس سرعة رجوع الصحابة إلى الله، دون أن يكون دليلًا على الجزم بسبب كل زلزال يقع، لأن ذلك من الأمور التي لا يعلم حقيقتها إلا الله.
هدي النبي ﷺ عند الآيات الكونية
وتؤكد السنة النبوية أن رسول الله ﷺ كان يستقبل الآيات الكونية بالخوف من الله والرجوع إليه، فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها أنه إذا رأى ريحًا أو غيمًا عُرف ذلك في وجهه، وقال: «وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟».
كما قال ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يُخوِّف الله بهما عباده»، وهو ما يدل على أن المؤمن يتعامل مع الآيات الكونية بروح الخشية والإنابة، لا بالاستهزاء أو التقليل من شأنها.
ماذا يُستحب عند حدوث الزلازل؟
ويجمع علماء الشريعة على استحباب الإكثار من الأعمال الصالحة عند وقوع الزلازل، ومن أبرزها: التوبة الصادقة إلى الله، والإكثار من الاستغفار، والدعاء والتضرع، والمحافظة على الصلاة، والإكثار من الذكر والصلاة على النبي ﷺ، والصدقة والإحسان إلى الناس، وصلة الأرحام، ورد المظالم إلى أهلها.
ومن الأدعية المستحبة في مثل هذه الأوقات: “اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة”، و**”اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك”، و“ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”، و“اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا”**، إلى جانب الإكثار من قول: “أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه”، والدعاء بحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين من الزلازل والكوارث والفتن.
بين الاعتبار والأخذ بالأسباب
ويرى عدد من المواطنين أن الزلزال كان تذكيرًا بقيمة الأمن وضرورة اللجوء إلى الله، مع الالتزام بإرشادات السلامة، معربين عن استيائهم من انتشار المقاطع الساخرة التي صاحبت الحدث، ومؤكدين أن الأولى استغلال هذه المواقف في نشر الدعاء والوعي بدلاً من السخرية.
ويجمع علماء الأزهر على أن الزلازل آيات من آيات الله تدعو إلى التوبة والإنابة، مع التأكيد على أهمية الأخذ بالأسباب العلمية في التعامل مع الكوارث. كما يحذرون من الجزم بأن كل زلزال عقوبة على ذنب معين، لأن ذلك من الغيب، بينما الواجب هو الاتعاظ، وتعظيم الله، والإكثار من الدعاء والاستغفار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]، وقوله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
رسالة أخيرة
ويلخص علماء الأزهر إلى أن الزلازل تظل آيات من آيات الله تعالى، تحمل في طياتها رسائل إيمانية تدعو إلى التفكر، ومراجعة النفس، والإقبال على الله، لا إلى السخرية أو صناعة المحتوى الباحث عن التفاعل والمشاهدات.
كما يؤكدون أن المسلم يجمع بين الأخذ بالأسباب العلمية في التعامل مع الكوارث والالتزام بإرشادات الجهات المختصة، وبين التضرع إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والاستغفار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]، وقوله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]، لتبقى هذه الآيات بابًا للإنابة والرجوع إلى الله، لا مناسبة للهو أو الاستهزاء.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم