الرئيسيةعرب-وعالم

10 سبتمبر… حراك شعبي يدفع فرنسا صوب اللا استقرار

تقرير: مروة محي الدين

“دعونا نغلق كل شيء”… تحت هذا الشعار انتفضت الشوارع الفرنسية، أمس- الأربعاء، احتجاجاً على خطة التقشف، التي أعلنها “فرانسوا بايرو”- رئيس الحكومة السابق، بإلغاء عطلتين رسميتين، وزيادة الضرائب على الطبقات المتوسطة والفقيرة، مستهدفة توفير 44 مليار يورو؛ ما أدى لتراكم الغضب الشعبي، بسبب ارتفاع الديون العامة، لتبلغ نسبته 114% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، وتخفيض الإنفاق على الخدمات العامة، مثل: الصحة والتعليم.

هبة الشوارع الفرنسية

هبت شوارع العاصمة والمدن الفرنسية، من باريس إلى مارسيليا وليون وتولوز وغيرها من المدن، لتصل أعداد المحتجين في الشوارع بين 100,000- حسب التقديرات الرسمية- و 150,000 متظاهر- حسب تقديرات المراسلين الصحفيين، فيما بلغت تقديرات النقابات العمالية (مثل CGT وSUD) لأعداد المتظاهرين أنها أكثر من 200,000 متظاهر.

فتظاهر في العاصمة باريس وحدها، ما بين 30,000-40,000 متظاهر، وتمكنوا من إغلاق قوس النصر، وفي مارسيليا 8,000 متظاهر، و 5,000-7,000 متظاهر في ليون، و 3,000-5,000 متظاهر في تولوز ونانت ومونبلييه، بالإضافة إلى المدن الفرنسية الأخرى.

الملفت للنظر في تقديرات أعداد المتظاهرين، أن هناك خلاف على الأعداد الحقيقية التي كانت في الشوارع، بين ما هو رسمي وإعلامي وتنظيمي، ما عزاه الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي المقيم في باريس- إلى عدة عوامل، من بينهما: “أ) طبيعة الاحتجاجات: حيث صعب عملية الحصر، أن الحركة لم تكن مركزية، وجرى تنظيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما انضم بعض المتظاهرين لها لاحقًا، وغادر اجبعضهم مبكرًا، بسبب الاشتباكات مع الشرطة”.

وتابع: “ب) المنهجية الإحصائية: حيث تعتمد وزارة الداخلية على تعداد نقطي في مواقع محددة، بينما النقابات تستخدم تقديرات ميدانية أوسع، فيما ركزت التغطية الإعلامية على المدن الكبري، متجاهلة بعض التجمعات الصغيرة في الضواحي؛ جـ) السياق السياسي: فقد تقلل الحكومة من الأرقام، لتقليل تأثير الاحتجاجات، بينما النقابات تبالغ فيها لتضخيم المطالب”.

شغب ومواجهات وخسائر 

مع زخم الحراك، تطورت فاعلياته الغاضبة، فأغلق المتظاهرون قوس النصر في باريس؛ وعطلوا حركة القطارات لمدة 6 ساعات، في إتلاف كابلات السكك الحديدية في تولوز؛ وأغلقوا الطرق السريعة باستخدام إطارات مشتعلة وصناديق قمامة في نانت؛ وعطلوا الطرق السريعة والموانئ في ليون ومارسيليا.

ولم يكن ثمة مفر من حدوث مصادمات مع عناصر الشرطة، لترتفع وتيرة العنف، فأشعل المتظاهرون النيران في 3 حافلات عامة، أحدها في رين واثنتان في ضواحي باريس، كما أشعلوا النيران في شوارع  رين؛ وتحركت عناصر الشرطة لتعتقل 232 متظاهرًا، 142 منهم في باريس، و90 الآخرين في المدن الأخرى، مثل: تولوز وليون ومرسيليا.

كذلك أصيب في المواجهات 37 شخصًا من المتظاهرين وقوات الأمن، تقول تقديرات المستشفيات: إن 5 منهم مصابين بإصابات خطيرة؛ حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والعصي الكهربائية، لتفريق المتظاهرين، مما أدى إلى وقوع إصابات في العيون، وصعوبات تنفس لدى البعض، فيما كانت الغالبية العظمى من الإصابات مجرد كدمات وجروح سطحية، بسبب الاشتباكات مع الشرطة، أو سقوط المتظاهرين أثناء الهروب من المواجهات، ولم يعلن تسجيل أي حالات وفاة.

ردود الفعل

وصفت وزارة الداخلية حركة 10 سبتمبر بأنها: “حركة اختطفها المتطرفون اليساريون”، فيما لم يصرح “سيباستيان ليكورنو”- رئيس الحكومة المكلف– بأي شيء عن المظاهرات، ما فسره “الألفي” قائلًا: “نعم لم يعلق ليكورنو على المظاهرات، لكن تعيينه- وهو الذي كان وزير دفاع بالحكومة السابقة- يُعتبر رسالة للتأكيد على الأمن والاستقرار، بيد أنه يواجه تحدياً كبيراً في تحقيق التوازن، بين مطالب المتظاهرين وضرورة خفض العجز”.

أما عن الأحزاب والجهات الداعمة للتظاهرات، فقد استغلت “مارين لوبان”- رئيس حزب الجبهة الوطنية- وطالبت بحل البرلمان، على الرغم من إدانتها العنف، فيما وصفها “جان لوك ميلانشون”- رئيس حزب فرنسا الأبية: بأنها “رد الشعب على سياسات الظلم”، ودعمت النقابات العمالية (CGT و SUD) الاحتجاجات، وشاركت في الدعوة لإضراب عام يوم  18 سبتمبر الجاري.

تداعيات صعبة ومستقبل مضطرب

يقول “الألفي” عن نتائج تلك التظاهرات: ” لم تنتهي المظاهرات الغاضبة دون تبعات، لمسها المواطن حتى في الشوارع، حيث عمقت الانقسام بين النخبة الحاكمة والشارع، كما ظهرت حركات احتجاجية غير ممركزة، مشابهة للسترات الصفراء، وكثفت الشرطة وجودها في الشوارع، تحسبًا لأي احتجاجات مستقبلية؛ وعلى المستوى الاقتصادي، زادت تكلفة الاقتراض، بسبب عدم الاستقرار السياسي، كما أن ثمة خطر يهددها، من تخفيض وكالة فيتش التصنيف الائتماني لفرنسا، في 12 سبتمبر الجاري”.

ولم تكتف الجهات المنظمة للتظاهرات بما حدث، فقد أعلنت بقيادة النقابات عن عن إضراب عام جديد، في 18 سبتمبر 2025، في رسالة تؤكد رفض سياسات التقشف التي تثقل كاهل الفقراء، وتطالب بإصلاح النظام السياسي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويرجح خبير الاقتصاد السياسي: أنه “إذا فشلت الحكومة الجديدة في الاستجابة لمطالب الحراك، قد تندلع احتجاجات أشمل، كما يلوح في الأفق احتمال حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة”.

وأضاف مختتمًا تصريحاته لليوم: “خلقت المظاهرات أزمة ثقة عميقة بين الشعب والحكومة، وعلى الرغم من عدم تحقيقها نتائج ملموسة على الأرض، قد يدفع الضغط الشعبي الحكومي لتعديل السياسات؛ وخلاصة القول أن فرنسا دخلت مرحلة عدم استقرار مستمرة، قد تؤثر على دورها في الاتحاد الأوروبي”.

إقرأ:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى