تقارير-و-تحقيقات

أدعية العام الهجري الجديد.. عبور من الضيق إلى الفرج

 

تقرير: مصطفى على

 

في لحظة من لحظات الصفاء الزماني، يطلّ على المسلمين شهر الله المحرم، أول شهور السنة الهجرية، فيرتفع صوت الدعاء من القلوب الخاشعة، وتتجه النفوس إلى خالقها، تتلمس في الأيام الأولى من العام الجديد نسائم البركة، ومفاتيح الفرج، ومداخل الرحمة إنه موعد روحي فريد يتجدد فيه العهد بين العبد وربه، وتُطوى صحائف الماضي لتُفتح صفحات النية والرجاء والطاعة.

ليس مجرد بداية زمنية جديدة، بل هي محطة للتوبة، واستلهام العبر من التاريخ النبوي، وتجديد العلاقة مع الدعاء ذلك السلاح الرباني الذي لا يُردّ، والنافذة الدائمة إلى السماء.

الدعاء في مطلع العام: عبادة تُجدد اليقين وتُحيي الأمل

الدعاء عند بداية السنة الهجرية ليس من الطقوس الشكلية، بل هو ترجمة صادقة للانكسار بين يدي الله، والرجاء في كرمه، والتسليم له في كل تقلبات الأقدار ويُعد شهر المحرم من أعظم الشهور التي يُستحب فيها الدعاء، لأنه من الأشهر الحرم، وقد قال عنه النبي ﷺ:
“أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم” [رواه مسلم]، ونسبة الشهر إلى الله دليل على تعظيمه.

في هذا السياق، يبدأ المسلمون عامهم بالدعاء، وهم يرددون:

“اللهم اجعل هذا العام بداية فرج، ونهاية لكل ضيق، وأكرمنا فيه بحسن الخاتمة.”

“اللهم اجعلنا فيه من المقبولين، واغفر لنا ما مضى، وبارك لنا فيما هو آت.”

“اللهم مع بداية عام 1447 هـ، نسألك أن تكتب لنا الخير في كل خطواتنا، وأن تصرف عنا كل سوء.”

هذه الأدعية، وإن تنوعت صيغها، فهي تُعبر عن حالة واحدة من الافتقار والرجاء والاستسلام لقدر الله، والطمع في رحمته.

دعاء قضاء الحوائج: طلب الفرج في زمن الابتداء

لا يكتفي المسلمون في مطلع السنة الجديدة بدعاء البركة فقط، بل يتوسلون أيضًا بقضاء الحوائج، وطلب راحة القلوب، والسكينة في الأرواح، واليسر بعد العسر ومن الأدعية التي يُكثر ترديدها:
“اللهم إني أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلّ إِثْمٍ.”

 

“يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، يا ذا الجلال والإكرام، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.”

 

“دعوةُ ذي النُّونِ إذ هوَ في بَطنِ الحوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”
وقد قال النبي ﷺ عنها: “ما دعا بها مكروب إلا فرّج الله كربه”.

الهجرة النبوية: من ذكرى الفعل إلى روح المعنى

مع بداية كل عام هجري، يعود المسلمون بذاكرتهم إلى أعظم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية: الهجرة النبوية، التي اختارها الخليفة عمر بن الخطاب لتكون بداية التاريخ الإسلامي، لا لكونها حدثًا سياسيًا فقط، بل لأنها تحوّل روحي عظيم.

الهجرة لم تكن انتقالًا مكانيًا فقط، بل كانت خروجًا من مرحلة التضييق والاضطهاد إلى مرحلة التمكين وبناء الدولة كانت إيذانًا ببدء تأسيس أمة، وتشريع حياة، ونقل الدين من سرية الجهر إلى علانية التنظيم.

لماذا بدأ التاريخ الهجري بالمحرم رغم أن الهجرة كانت في ربيع؟

لأن المحرم كان الشهر الذي بدأت فيه نية الهجرة والاستعداد لها، فهو بداية التغيير والتخطيط، فناسب أن يُتخذ نقطة انطلاق للتاريخ الجديد.

وقد استشار عمر بن الخطاب كبار الصحابة كعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وكان الاتفاق على أن تكون الهجرة هي بداية التأريخ، والمحرم هو مفتتح الأشهر.

ترتيب الشهور الهجرية ومكانة المحرم بينها

السنة الهجرية تتكون من 12 شهرًا:

محرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة.

 

ومن بين هذه الشهور، أربعة حُرم نهى الله فيها عن القتال، وهي:

ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، ورجب.

 

قال الله تعالى:
“إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ… مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ” [التوبة: 36]

وكان العرب في الجاهلية يُعظمون هذه الأشهر، فجاء الإسلام ليؤكد هذا التعظيم، ويُوجهه نحو طاعة الله، لا العصبية.

المحرم: بوابة التوبة والصيام والرجوع

من أبرز أيام شهر المحرم يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي أنجى الله فيه نبيّه موسى من فرعون، فقال النبي ﷺ:
“نحن أحق بموسى منهم، فصامه وأمر بصيامه”.
وصيام عاشوراء يُكفّر ذنوب سنة ماضية، كما ثبت في صحيح مسلم.

ويستحب في هذا الشهر:

الإكثار من الدعاء والصدقة

صيام التاسع والعاشر من محرم

التوبة وتجديد النية

صلة الأرحام

ترك الظلم والشحناء

تأملات روحية: ماذا تقول لنا بداية العام الهجري؟

العام الجديد هو ليس رقمًا يُضاف إلى التقويم، بل لحظة عظيمة تُخاطب كل إنسان في قلبه وعقله:

هل كنت قريبًا من الله في العام الماضي؟

ما الذي أنجزته من طاعات؟ وما الذي فوّته؟

هل ظلمت أحدًا؟ هل هجرت القرآن؟ هل أغلقت باب الدعاء؟

الفرصة ما زالت قائمة. والباب ما زال مفتوحًا والله يقبل التوبة عن عباده.

يقول النبي ﷺ:
“من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.
فلتكن هذه السنة سنة ترك للذنوب، وإقبال على الله، وسكينة في القلب.

الدعاء جسر عبور إلى الله في كل بداية

إذا كانت الهجرة النبوية قد غيّرت مجرى التاريخ، فإن الدعاء يُغير مجرى القلب وإذا كان شهر المحرم بداية العام، فإن كل بداية هي فرصة لتوبة، وانطلاقة لطريق جديد، واستحضار لقيم الهجرة: الصبر، الأمل، الإيمان، التضحية.

فليكن شعارنا في مطلع العام الجديد:
“اللهم بارك لنا في عامنا، واغفر لنا ما مضى، وأصلح قلوبنا، واهدِنا صراطك المستقيم، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مصيبتنا في ديننا، وبلغنا عامنا الجديد ونحن في عافية وأمان وإيمان.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى