
حوار: مروة محي الدين
في بداية حواره مع موقع اليوم، تحدث “أيهم كممجي” عن تجربته بأن “ثمارها كلها هي ثمار الابتلاء”، لكنه لم يقل أن الابتلاء اختبار يمنح القوة ويصقلها، ليخرج صاحبه- الذي نجح في تخطيه- أكثر قدرة على إكمال الطريق، وربما جني في أثناء ابتلاعه ما لم يكن ليجنيه بدونه.
وكان هذا هو حال الأسير المحرر، إذ يحكي في الحلقة الأخيرة من حواره، كيف صقل السجن إرادته ومعارفه ومواهبه، ليزيد طموحه وإصراره لمواصلة الطريق في كل مجال، يمكنه أن ينخرط فيه، مقرًا في النهاية بالعرفان لأهل الفضل الأول في خروجه أهل غزة.
السجن كثافة

يقول الشاعر الفلسطيني “محمود درويش”، والأسير لدى الاحتلال سابقًا، في كتابه “في حضرة الغياب”، معبرًا عن آلام الأسر التي تتكاثر، فيكون الغناء والكلام وسيلة المواجهة: “السجن كثافة”، ومن هنا راح “كممجي” يحكي كيف استغل السجن ليس للغناء، وإنما لصقل خبراته ومعارفه، ووجوده التنظيمي لاسيما أمام عدوه.
يقول الأسير المحرر: كنت عضوًا في حركة الجهاد الإسلامي، وفي السجن كنت أحد قادة الحركة، وتبوأت مناصب كبيرة فيها في السجن، حتى أضحيت أميرًا للسجن بالكامل، ومسؤولًا مباشرًا عن عشرات العناصر، وعضوًا في مجلس الشورى العام لهذا التنظيم، وتأهلت لأصبح في الهيئة القيادية العليا له، وحال دون ذلك العزل بعد عملية نفق الحرية، نحن في الأسر يوجد لنا تنظيمات، وكل تنظيم يوجد لديه عدد من الغرف، يؤوي بها أبناؤه، ويقوم بتعليمهم وتدريسهم وإعدادهم، باعتبارهم كوادر تنظيمية مهمة.
وعلى سبيل المثال: نحن في حركة الجهاد الإسلامي، كنا ما بين 450- 470عنصر داخل السجون، من بيننا 430 تقريبًا يحملون الشهادات العليا، ما بين البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، والباقيين كانوا في طريقهم إلى البكالوريوس أو الماجستير؛ هؤلاء المجاهدين ليسوا مجرد أرقام، كما أنهم ليسوا إرهابيين، وليسوا مجرد ناس لا يدركون ما هم فيهم أو ما حدث لهم، وليسوا في الأسر بالصدفة، بل هم أناس لديهم أيديولوجية تحمل العقلية و الفكرة، والنظرة السياسية الثاقبة.
كما كنا نقيم ندوات التحليل السياسي، والمناقشات السياسية، وكذلك التحليل النفسي للحالة الصهيونية، والظروف التي تمر بها: كيف بدأ نتنياهو يغوص في بعض مجالات، يمكن أن تؤدي بدولته إلى الإنهيار، ومثال ذلك: المعقولية التي كان يسعى إلى تحقيقها في المحاكم الإسرائيلية، وبسببها اندلعت ثورة وانقسام قبل 7 أكتوبر 2023.
ومن هنا نجد الأسرى خبراء في مثل هذه الأمور، ومحللين سياسيين مخضرمين، وإن كان من يتحدث منهم لا يجيد العربية الفصحى، ولا يعرف اللغة المنمقة المرتبة، تجده يعطي لك تحليل مثل أعظم المحللين السياسيين المعروفين.
وعن نفسي، فقد كنت حينما دخلت السجن كنت حاصل على التوجيهي- الشهادة الثانوية، وأدرس في الجامعة، وأثناء وجودي في السجن التحقت بجامعة الأقصى، وحصلت على شهادة البكالوريوس في التاريخ، ثم التحقت بجامعة القدس المفتوحة، وحصلت على البكالوريوس في العلوم الاجتماعية، ثم الماجستير في إدارة الأعمال.
وقد حصلت على العديد من الدورات والمساقات، التي أهلتني لأكون أستاذ شريعة، حيث درست السيرة النبوية وتخصصت فيها، ودرست الفقه الإسلامي والعقيدة الإسلامية، وحصلت على السند في تلاوة كتاب الله الكريم، ومعي إجازة بأن أدرسه، وأدرس علم التجويد، كما حصلت على دورات وجلسات للتنمية البشرية، وأستطيع الآن أن أقدم ندوات فيها.
وقي مجال حقوق الإنسان، حصلت على ندوات ومساقات في قوانين جنيف، وأمتلك بطاقة تؤهلني من دخول 57 دولة، معظمها في أفريقيا، باعتباري مراقب على السجون، ومراقب على حقوق الإنسان فيها، وغيرها الكثير من الدورات التعليمية التي لا يسعني استحضارها جميعًا. كما تعلمت حرف مهنية، فتعلمت الحلاقة، وكنت أحلق لجميع زملائي الأسرى، كما تعلمت فنون الطبخ.
موهبة صقلها الأسر

يروي “كممجي” ضمن حكايات السجن، كيف صقل مواهبه الأدبية؟ وكيف حاربه الاحتلال فيها؟ فيقول: الشعر موهبة فطرية عندي، ورثته عبر DNA من الوالد، كما كتبت العديد من الروايات، وفي كل مرة ينغص علي الاحتلال عملي، فيأخذ الرواية ويحرقها أو يمزقها، ثم يرميها في سلة المهملات، بيد أني تمكنت من تهريب بعض القصائد، مع الأسرى الذين كانوا يتم الإفراج عنهم، وحين خرجت استطعت أن أجمع أشتاتي من الشعر، فجمعت أكثر من 70 قصيدة.
وحاليًا أحاول جمع ديوان الشعر، الذي أطمح لجمعه كي يرى النور، فلم يتمكن العدو من هدم عزيمتي، ولم ينغصوا عليَّ بكل الروايات التي كتبتها وأعدموها أمامي؛ هذا المحتل سلب أرضي وروحي وجسدي، لذا من الطبيعي أن يسلب فكرتي، لكنه خسئ وخاب من أن يسرق أو ينهب إرادتي.
طموح لمواصلة الطريق

مسيرة “كممجي” النضالية، كانت طويلة داخل السجن وخارجه، لكنها كانت دائمًا داخل حدود فلسطين، ومن هنا يحكي الأسير المحرر عن عينه التي لا ترى سوى فلسطين، وطموحه بعد التحرر، الذي لا يتحقق إلى بتحرير فلسطين، فيقول: كل فلسطيني هو سياسي وعسكري بالطبيعة، وكل فلسطيني يقف على ثغرة من ثغور الوطن، لا يسمح بأن يؤتى هذا الوطن من قبله، ومن بين هؤلاء “أيهم” الذي إن كان بإمكانه محاربة هذا الطغيان وقتاله ولو بلسانه فسيفعل، ولو بزواجه وإنجاب أطفال وزيادة عدد الشعب الفلسطيني فسيفعل، وإن تطلب الأمر أن يقاتل بالسلاح فسيفعل…!
وأنا هنا لا أتحدث عن شخص “أيهم”، إنما أتحدث عن الفلسطيني، وكل فلسطيني يشبه “أيهم”، فقتال كل فلسطيني وجهاده ورباطه- بالطريقة التي توجهه لها فطرته السليمة- هو جهاد وقتال لهذا المحتل.
هذا المحتل يقاتلنا ديموغرافيا بكل معاني الكلمة، فهو يريد أن يهجر الشعب الفلسطيني ويقتله ويستبيح دمه، قام بالنكبة وفشل، ثم جاء بالنكسة وفشل، والآن جاء بالإبادة وفشل، وسيفشل في المرة القادمة إذا قام بأي شيء آخر؛ لماذا؟ لأن هذا الشعب يريد أن يعيش، ويحب الحياة ويقدسها، ومن حقه أن يعيش، و”على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
نحن شعب إرادتنا هي التي تحيينا، فنشرب الإرادة ونأكل الصبر، فهذا المحتل على الرغم من كل ما فعل بنا، لأكثر من 78 عامًا، منذ 1948 إلى هذا اليوم، لم يزد عدده عن عددنا نحن الفلسطينيين ولو بواحد، فتقول الإحصاءات أن تعدادنا ثمانية مليون فلسطيني، وفي المقابل تعداده هو لم يزد عن ثمانية مليون مستوطن، على الرغم من كل التهجير والقتل والاعتقال.
وهنا يجب أن ألفت إلى أن الشعب الفلسطيني لا يعاني فقط من قتل شبابه، لذا لا يزيد عدده، لأنه الشباب هم بذرة نمو المجتمع، إنما يحاربنا الاحتلال فيهم بشكل أخر، عبر أسر عشرة ألاف فلسطيني إدارياً كل عام، أي عشرة ألاف مولود منع وجودهم كل سنة، هؤلاء المواليد العشرة ألاف بعد 15- 20 سنة سيتزوجون، لاسيما والشعب الفلسطيني يزوج أبناؤه مبكرًا.
وعليه نحن نتحدث عن ملايين الأطفال بعد 20 أو 30 أو 40 سنة، هذه الملايين أعدمت قبل أن تأتي إلى الدنيا، لأسباب سياسية مبرمجة، درسها هذا المحتل الحاقد لجيل الشباب الفلسطيني، وأدت إلى أن قتل بذرة نمو جيناتهم وأبناءهم في السجن.
ومن هنا نحن نُقاتَل على كل الأصعدة، وعلى كل الجبهة، نُقاتَل ديموغرافيا وعلى الأرض وفي السماء، حيث لا يملك الشعب الفلسطيني أي مجال جوي أو بري أو بحري تحت سيادته، إنما نحن مسجنون داخل وطننا، فنقتل ونؤسر ونبدأ وتستباح حرماتنا داخل وطننا، وكأننا نحن بالفعل أصبحنا هدف القناص أو فريسة المفترس، فلا حقوق لدينا وليس ثمة من يسأل عنا، مثلما يقول المثل الشعبي: “قلعوا شوككم بأيديكم”، وليس أدل على ذلك من سباق الهرولة للتطبيع مع الاحتلال.
مشروعات قريبة

مشروعات المناضل على طول الطريق الخاصة، بعد تنسم الحرية، كانت أحد الجوانب التي ألقى عليها “كممجي” الضوء، فقال: أول ما أفكر فيه الآن أن أدخل الفرح على قلب والدي بزواجي، ثم إكمال العلم، حيث أسعى للحصول على ماجستير في العلوم السياسية، ثم الدكتورة إن كان لي في العمر بقية، وكل واحد يستطيع أنه يخدم وطنه، بالطريقة المناسبة التي تلائمه.
وأهم وأولوياتنا للوطن هي الوحدة ثم الوحدة، وأن نستثمر ما حدث سياسيا، فما حدث أمر جلل، والدماء التي أريقت دماء عظيمة جدا، لا يمكن لنا أن نغفوا أو نسامح أو نغفل للحظة، عن أي شخص يريد تضييع هذا الاستحقاق السياسي، فالأصل أن نصون هذه الدماء التي سقطت ونحفظها ونحترمها ونقدسها، لترتاح أرواحهم في برزخها وأجسادهم في قبورها، فتكون الوحدة على الأقل ثمرة تلك التضحيات.
ذلك أن في وحدتنا قوتنا وتحررنا، أما إن بقينا مشتتين ومفرقين ومنقسمين، فإن كل من أراد أن يصنع صنيعة تعارض أو تأذي مشروعنا الوطني والسياسي، تكون حجته أنكم منقسمون على أنفسكم، ومن ثم لا تدركون مصالحكم، الوحدة ثم الوحدة ثم الوحدة فهي أولى الأولويات، ومنها ننطلق إلى التحرير.
وبنهاية الحكاية لم ينس الأسير المحرر إحقاق الحق لأهل غزة، فقال: يجب أن نؤتي كل ذي حق حقه ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، أهل غزة وشهداء غزة ومقاومة غزة، الذي لا يسعني الكلام عن بطولاتهم، فربهم أعلم بهم، وهو من اصطفى منهم مائة ألف أو يزيد، لكنهم يستحقون أن ننادي من أجلهم كل أحرار العالم، فهم يموتون من الجوع والعطش، والبرد والحر، لا يجب أن يأتي هذا الشتاء علينا، ويوجد غزي واحد ليس لديه خيمة.
أعلم أنه من الصعب الآن أن نبني ونجهز خلال شهر أوشهرين، ولكن لا يجب أن يستهن أحد بأصغر مساعدة، ولا نحقر منها، إن الجبال من الحصى، ولو كانت المساعدة بصاع من التمر، فحبة التمر قد تشبع رضيع وتمد في عمره يومًا أو اثنين، فهذا القرش أو الجنية أو الليرة يمكن أن تشتري حبة إسبرين، تمنع إصابة عجوز أو امرأة بجلطة، أهل غزة بحاجة إلى كل شرفاء العرب والمسلمين والعالم، غزة تناديهم، والتاريخ يسجل من كان معنا ومن كان ضدنا، ونأمل أن نرى منكم احتضان الأخ لأخيه والأم لولدها والأب لإبنه.
ماجد المصري لـ«اليوم» 1: حولنا السجون إلى مدارس ثورية لاستكمال النضال
ماجد المصري لليوم 2: أهل مصر استقبلونا كأنهم أهلنا بالضفة الغربية
أيام الكمد والعذاب 2… أسطورة نفق الحرية تهدم أسطورة الاحتلال الأمنية



